بورصة وشركات

زيادة إقبال الشركات العالمية علي سياسة‮ »‬التكامل الرأسي للمنتجات‮«‬


إعداد- دعاء شاهين
 
تتجه الشركات العالمية، خاصة بالقطاع التكنولوجي نحو سياسات التكامل الرأسي، لتصنيع وتوريد المنتج بالكامل، وقد مثلت خطة شركة »أوراكل« لتصنيع البرمجيات لشراء نظيرتها »صدمايكروسيستم« أحد هذه التحولات الجذرية في عمل الشركات.

 
وتهدف »أوراكل« من وراء هذه الصفقة إلي زيادة نشاطها الذي ينحصر في تصنيع البرمجيات، إلي تصنيع الحواسب الآلية ومكوناتها، مثل الشركات الأمريكية العملاقة التي كان لها تواجد ضخم في ستينيات القرن الماضي.
 
ويعد لاري ايليون، المدير التنفيذي لشركة »أوراكل«، من بين هؤلاء الذين يفضلون نموذج التكامل الرأسي الموجود منذ مائة عام، وتسيطر من خلاله الشركة علي المواد الأولية والتصنيع والتوزيع.
 
تتجه شركات »أرسيلورميتال« للصلب، بيبسي، جنرال موتورز، بوينج إلي انتهاج سياسة التكامل الرأسي، وإن كانت أسباب ودوافع كل منها تختلف عن الأخري.
 
وتستهدف شركة »أرسيلور« -أكبر مصنع للصلب في العالم- السيطرة بشكل أكبر علي المواد الخام، بينما تسعي شركة »بيبسي« للتحكم بدرجة كبيرة في شبكة التوزيع، في حين نجد شركات مثل جنرال موتورز وبوينج مضطرة لإجراء هذه الاستحواذات الأفقية لتأمين عنصري الجودة والكمية في الأجزاء الحيوية من إنتاجهما من السيارات والطائرات.
 
ويقول هارولد سيركين، رئيس مجموعة بوسطن الاستشارية، إن عقارب الساعة تتحول من تفكيك الشركات إلي سياسات الاندماج.
 
ويعزي سيركين هذا التحول إلي التذبذب في أسعار السلع الأولية والضغوط المالية المفروضة علي المزودين والحاجة إلي إيرادات جديدة، وكلها تحديات تفاقمت بفعل الركود.
 
كان إيلسون- الرئيس التنفيذي لأوراكل منذ عامين ماضيين ملتزماً بسياسة التركيز علي تصنيع البرمجيات، وغير مهتم بالدخول في مجال تصنيع الأجزاء الصلبة من الحاسب الآلي.
 
إلا أن تحول شركة أوراكل وغيرها من الشركات نحو الاندماج الرأسي يمثل انتهاء لسياسات دامت علي مدار نصف قرن، اعتمدت خلالها الشركات بنحو كبير علي التخصص وتعهيد العديد من المهام والخدمات في مراحل التصنيع واستخراج المواد الخام إلي آخرين.

 
فقد باعت مصانع الصلب في ثمانينيات القرن الماضي أنشطة المناجم الخاصة بها، كما تخلي عمالقة تصنيع السيارات عن شركات تصنيع الأجزاء.

 
وتوقفت الشركات التكنولوجية عن تصنيع كل جزء في الحاسب الآلي لتتخصص في تصنيع الرقائق الإلكترونية فقط أو وحدات تخزين البيانات أو تصنيع البرمجيات.

 
وكأن المبدأ الأساسي الذي ارتكزت عليه سياسة الشركات هو أن التخصص أداة لزيادة الفاعلية وكفاءة وجودة التصنيع، لتجد اليوم مثلا نظام الحاسب الآلي الخاص بشركة ما تم تجميعه بواسطة شركة أخري تقدم خدمات إدارية واستشارات تكنولوجية مثل شركة اكسبنتشر، والحصول علي نظام تخزين البيانات من شركة أيمك أو »EMC « وجلب أجهزة الحاسب الآلي من شركة هيوليت باكارد »H.P « والتي تستخدم رقائق إلكترونية من شركة انتل والتي بدورها تعمل بواسطة البرامج التي تصنعها شركة أوراكل.

 
إلا أن أوراكل تحاول الآن جمع كل هذه المراحل تحت سقف واحد وينتهج البعض سياسات مشابهة، حيث تخطط بيبسي لإعادة شراء شركات التعبئة التي باعتها عام 1999.

 
فقد أراد الرؤساء التنفيذيون لبيبسي حينها التركيز علي أنشطة التسويق، تاركين معظم القرارات التنفيذية لشركات التعبئة.

 
أما الآن وبعد إقبال المستهلكين نحو المشروبات غير الغازية، أصبحت بيبسي أكثر ميلاً لفرض سيطرة أكبر علي شبكة التوزيع الخاصة بها.

 
ولا تشير هذه الخطوات بالضرورة إلي عودة قطاع الأعمال إلي سياسات التكامل الرأسي الضخم الذي كان موجوداً في بداية القرن العشرين حيث كانت هناك شركات عملاقة مثل اندروكارنجي لصناعة الصلب وشركة فورد للسيارات.

 
فقد كان كل منهما يمتلك مناجم الحديد الخام الخاصة به، بينما تسيطران علي جميع مراحل التصنيع والتسويق والبيع.

 
وكانت سياسات هذه الشركات في تلك الفترة معتمدة علي سياسات التوسع الرأسي كأداة لفرض سيطرتها التامة علي سلسلة العرض، وهو ما يتيح لها أفضل قدرة إدارية ممكنة.

 
وقد تواجه بعض هذه الخطوات مقاومة من قبل المشرعين والمراقبين، حيث تراجع لجنة التجارة الفيدرالية علي سبيل المثال خطة شركة بيبسي لشراء اثنتين من كبريات شركات التعبئة، كما أبدت كرستين غارني المسئولة عن مكافحة الممارسات الاحتكارية بوزارة العدل الأمريكية اهتماماً بمراقبة وتفحص صفقات التوسع الرأسي.

 
وتحرك الاتحاد الأوروبي للتصدي لعرض أوراكل بالاستحواذ علي شركة صدمايكروسيستم مقابل 74 مليار دولار علي إثر مخاوف من أن تؤدي هذه الصفقة إلي إعطاء أوراكل سيطرة أكبر واحتكاراً في سوق البرمجيات بينما ارتضت العديد من الشركات مثل كوكاكولا وتويوتا موتور الالتزام بنموذج العمل الحالي القائم علي التخصص، إلا أن البعض الآخر لم يجد مفراً سوي الاتجاه نحو التكامل الرأسي.

 
فقد اشترت شركة بوينج خلال العامين الماضيين مصنعاً وحصة تقدر بـ%50 في شركة تصنيع أجزاء طائراتها المتعثرة 787 »دريم لاينر«.

 
وتعكس هذه الخطوات تغيراً وتحولاً في سياسات التعهيد التي تنتهجها شركة بوينج والتي تقوم من خلالها بتجميع أجزاء الطائرة دريم لاينر والمصنعة بواسطة مئات الموردين.

 
وقد سببت مشاكل خاصة بالتوريد والتجميع في تأخير انطلاق الطائرة دريم لاينر عامين عن موعدها.

 
وقامت شركة جنرال موتورز بشراء حصة صغيرة في شركة دلفي أوتوموتيف - أكبر مورد أجزاء سيارات لجنرال، كما قامت بشراء أربعة مصانع أخري لتأمين عدم تعثر خط توريد أجزاء السيارات للشركة.

 
كما تتجه العديد من شركات الصلب إلي التحول نحو تعميق أنشطتها في قطاع المواد الخام والتي كانت قد خرجت منه سابقاً.

 
فقد استحوذت شركة ارسيلور علي مناجم في البرازيل وروسيا والولايات المتحدة، كما وسعت أنشطة مناجمها خلال السنوات الأخيرة.

 
وتحاول الشركة بهذه الخطوات التحوط ضد تذبذب أسعار السلع الأولية كالحديد الخام والفحم وسط ارتفاع الاستهلاك الصيني من الصلب وموجة من الاندماجات في صناعة التعدين.

 
وربما تظهر أكثر التغيرات الدرامية في القطاع التكنولوجي حيث اعتمد علي سياسات التخصص والتعهيد للغير علي مدار عقود عدة ماضية، ليمثل الاتجاه الجديد تحولاً كبيراً في نموذج عمل القطاع، فخلال سبعينيات القرن الماضي، كانت شركات تصنيع الحواسب الآلية  مثل انترناشيونال بزنس ماشين أو »IBM « تصنع أشباه الموصلات المستخدمة في حواسبها وأجهزة تخزين البيانات والبرمجيات.

 
وفي عام 1969، اتهمت الحكومة الأمريكية شركة IBM بإنتهاجها ممارسات احتكارية من خلال سيطرتها علي أنشطة تصنيع الأجزاء الصلبة للحاسب والبرمجيات والخدمات مما يعيق قدرة منافسيها، إلا أن الحكومة تنازلت عن القضية في 1982.

 
واستحوذت شركة هيوليت باكرد في العام الماضي علي شركة إلكترونك داتاسيستم، والتي تدير أنظمة حواسب الشركات- لتقوية خدماتها الاستشارية وفرض مزيد من السيطرة علي قنوات البيع، واشترت منافستها شركة ديل شركة بيروسيستم لأغراض مشابهة.

 
وأعلنت شركة هيوليت باكرد هذا الشهر عن اعتزامها شراء شركة »ثري كوم« أو »3 COM « مقابل 2.7 مليار دولار لدعم وحدة شبكات الحاسب الخاصة بها.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة