عقـــارات

التمويل العقاري يستقبل العام بخريطة جديدة ولاعبين مختلفين


أيمن عبد الحفيظ
 
بعد معدلات النمو القوية التي دأب التمويل العقاري علي تحقيقها في عام 2007 وحتي الربع الأخير من 2008، والتي كانت تدور حول %30 علي أساس ربع سنوي، ضربت الأزمة المالية العالمية القطاع في مقتل، لعدة أسباب أدت إلي توقف القطاع خلال العام الماضي »محلك سر«، وإعادة هيكلته داخلياً بعد تأثر الأوضاع المالية للمؤسسات التي قادت تأسيس الشركات اللاعبة في القطاع، واعتراض عدد من الخطوات التي اتخذتها الجهات الرقابية وكذلك الجهات التمويلية الكبري، خطط استمرار عدد آخر من الشركات التي بنت خططها ودراسات الجدوي الخاصة بها علي أوضاع سابقة، خاصة أن تغير الأوضاع أدي إلي صعوبة الحصول علي السيولة التي تمكنها من ممارسة النشاط.

 
وأدت أحداث 2009 إلي تغير خريطة قطاع التمويل العقاري بشكل حاد في العام الجديد الذي يبدأ أول أيامه غداً، مع اختفاء شركات عن الساحة، خاصة القادمة من الخليج وتعرض أخري للاستحواذ وتوقف شركات وظهور لاعبين جدد يعتزمون قلب الطاولة وإعادة ترتيبها من جديد.
 
وتعد البنوك هي فرس الرهان في هذه المرحلة الحساسة من عمر نشاط التمويل في مصر، الذي يواجه فيها اختبار بقاء، في ضوء انخفاض السيولة الموجهة له وتركزها في القطاع المصرفي، الذي بات يعتمد علي نفسه في إطلاق شركات جديدة أو الاستحواذ علي شركات قائمة لخفض تكلفة دخول هذا القطاع.
 
أما الشركات نفسها فلا تستطيع البقاء في معركة السيولة اعتماداً علي مواردها الذاتية، مما أدي إلي خروج عدد من اللاعبين من السوق وتوقف البعض عن النشاط وبحث البعض الآخر عمن ينقذه من هذا الموقف خاصة من قبل المصارف.
 
وبالإضافة إلي أزمة السيولة التي أدت للتردد في تمويل الشركات التي تعمل في قطاع التمويل العقاري، تئن الشركات من وطأة ابتعاد البنوك عن إقراضها في عمليات تمويل المشروعات تحت التشييد، خاصة أن غالبية السوق المصرية لا تزال تحت الانشاء، فضلاً عن قرار الشركة المصرية لإعادة التمويل العقاري، بعدم قبول مساهمين جدد من الشركات إلا بعد تقديم ميزانيتين رابحتين لعامين متتاليين، مما يؤدي إلي انعدام فرص حصول الشركات الجديدة بالسوق علي الأموال منها وبما يهدد فرص استمرارها في السوق بشكل كبير، خاصة أنها ملزمة في هذه الحالة بالاعتماد علي رؤوس أموالها، وهو ما يتنافي مع أبسط قواعد التمويل في العالم أجمع.
 
أما القول بأن الشركات بإمكانها ان تقوم بإصدار سندات توريق منفردة فهو أبعد ما يكون عن الواقع، فأين هذا السند الذي يستطيع أن ينافس سنداً صادراً عن شركة اكبر المساهمين فيها البنك المركزي ويضم هيكل ملكيتها مؤسسة التمويل الدولية وغالبية البنوك العاملة في مصر، وبأي تكلفة يمكن أن يصدر السند ويحظي بقبول السوق؟!
 
ومن هذا المنطلق، بدأ قطاع التمويل العقاري في إجراءات إعادة هيكلة تقوم فيها البنوك بدور البطولة، وذلك بالاستحواذ علي كيانات قائمة، كما هو الحال في شركة التوفيق التابعة لشركة التوفيق للتأجير التمويلي، والتي استحوذ عليها بالكامل البنك الأهلي -أكبر البنوك المصرية- وهي الخطوة التي اتجهت اليها مجموعة التوفيق بعد أن اكتفشت عدم القدرة علي الاستمرار في النشاط، بينما اتخذها البنك الأهلي، رغم أنه قادر علي تأسيس شركة جديدة يوميا، لتخفيض تكلفة التأسيس والاستحواذ علي شركة قائمة بأقل من رأس المال الذي دفع بالفعل وتكلفة التأسيس، فضلا عن نظافة محفظتها التمويلية.
 
وفي الاطار السابق أيضا تأتي خطوة خروج شركة بيت التمويل العالمي جلوبل »الكويتية« من القطاع، وإن كان بسبب تداعيات الأزمة المالية العالمية عليها ودخولها في موجة تعثر حادة عن سداد مديونياتها وابرامها مؤخراً اتفاقية إعادة جدولة للمديونيات مع البنوك المقرضة، خرجت منها شركة بيت التمويل العقاري التي أسستها في مصر، علي اعتبار أنها لا تعمل في الأنشطة الأساسية التي تمارسها جلوبل، والتي تتفاوض علي بيعها لأحد البنوك المصرية أيضا في الوقت الراهن.
 
نفس الأمر تكرر مع شركتي أملاك وتمويل الإماراتيتين، واللتين توقفتا عن ممارسة النشاط بقرار من الشركات الأم في دبي، بعد انكشافهما مالياً عقب نشوب الأزمة العالمية وانهيار أسعار العقارات بشكل حاد في الإمارة، مما دفع »تمويل« لبيع وحدتها المصرية لكونسورتيوم يقوده خالد راسخ، العضو المنتدب لشركة »ERA «الشرق الأوسط للخدمات العقارية، ومحاولة أملاك علي الجانب الآخر التخلص من شركتها المصرية.
 
ومن ناحية أخري،أطلق بنك التعمير والاسكان بالشراكة مع مجموعات استثمارية مصرية وخليجية شركة سكن، التي بدأت النشاط منذ فترة وجيزة، وتسعي لأن تكون أحد اللاعبين الرئيسيين في القطاع والإعلان عن نفسها بقوة خلال العام الجديد.
 
فليس خافياً علي أحد التباطؤ الكبير الذي حل بمعدلات منح التمويل العقاري في مصر منذ اندلاع الأزمة المالية، رغم استمرار الفجوة الكبيرة في الاسكان واتساع السوق المحتملة أمام الجهات المهتمة بالاستثمار في هذا القطاع، فإن وقوف الجهات الرقابية موقف المتفرج، وعدم اتخاذها خطوات جريئة في هذا الملف ينذر بإمكان استمرار الوضع علي ما هو عليه، أو انتقال الملف برمته إلي البنك المركزي علي اعتبار أن البنوك ستظل اللاعب الوحيد في هذا القطاع، كما أن حجم رقابته علي شركات التمويل زاد بعد صدور قواعد تمويل هذه الشركات وحظر استخدام القروض في تمويل عمليات تحت التشييد، حيث تقدم الشركات نسخاً دورية من العقود التي تبرمها مع العملاء والمستخدمة فيها أموال القروض المصرفية.
 
ووصف د. أحمد أنيس، عضو مجلس الإدارة السابق بهيئة التمويل العقاري رئيس الجمعية المصرية لخبراء التقييم، اهتمام البنوك بالاستثمار في التمويل العقاري مؤخراً بالتغير في فلسفة عملها داخلياً، خاصة أن السوق نفسها لم تشهد جديداً عن الأعوام السابقة التي تجاهلت المصارف الدعاوي بدخول التمويل العقاري، متوقعا أن تؤدي زيادة عدد المشاركين من البنوك في هذا القطاع إلي تراجع أسعار الفائدة علي التمويل بما يؤدي إلي تنشيط السوق، خاصة ان الفترة الأخيرة شهدت عودة عمليات البيع والشراء إلي طبيعتها نسبياً وإن كانت لم تنعكس علي الأسعار التي تتحرك في نطاقات ضيقة.
 
أما علي مستوي الشركات خاصة الحديثة التي لا تسيطر المصارف علي حصص حاكمة بها، فأمامها تحد في العامين الأولين، خاصة أنها لن تستطيع الاقتراض من شركة اعادة التمويل إلا بعد تقديم ميزانيتين رابحتين.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة