سيـــاســة

مصر .. والبحث عن زعيم


نعم، مصر فى حاجة بالتأكيد لثورة جديدة .. ترمم وتستكمل ما لم ينجز من أهداف ثورات عركتها منذ مطلع ثمانينيات القرن الـ 19 إلى اليوم، إذ قامت بطبيعة الحال لأسباب داخلية تتطلع إلى الارتقاء بشعبها، إلا أنها توازت وتزامنت أيضاً ..  مع متغيرات إقليمية ودولية سبقتها ومهدت لها، ابتداءً من الحركة العرابية «الثورية » التى أجهضت فى المهد تحت سطوة «الاحتكارية الرأسمالية الاستعمارية » عقب الثورة الصناعية فى أوروبا، مروراً بثورة 1919 التى تلت إرهاصات ونتائج الحرب العالمية الأولى، وطبعت البلاد بطابعها .. فترة ما بين الحربين العالميتين، إلى أن وظفت حركة «الضباط الأحرار » متغيرات النظام الدولى الجديد «ثنائى القطبية » ، الأمريكى والسوفيتى، لقيام الثورة فى 1952 ، وحيث كان من المفترض، بحسب تراتب الثورات المصرية مع المتغيرات العالمية، أن تضاهى مصر مع انتهاء الحرب الباردة فى مطلع التسعينيات .. الثورات التى انطلقت حينئذ تنشد الحرية والخلاص من الأنظمة الشمولية، إلا أنها مثلت مع غيرها من دول المنطقة - ولعقدين تاليين، الاستثناء الذى يثبت القاعدة، حتى قيام ثورات الربيع العربى، العام 2011 ، التى وإن نجحت فى إسقاط الأنظمة القائمة، لكنها ما زالت تتعثر - ولأمد غير منظور - فى بناء مستقبلها .

إلى ذلك التعثر لثورة مصر 2011 ، قد تتعدد الأسباب والمبررات عما وراء تعثرها المستمر خلال ثمانية عشر شهراً .. مرشحة للامتداد، وحيث يعود أهمها بنظر المراقبين .. إلى المتزاحمين على الانفراد بقيادتها، من بعد أن خلصت بفضل الخروج الفطرى للأغلبية الجماهيرية إلى الميادين - وليس سواهم - من ربق رأس النظام السابق وزمرته المقربة، إلا أن المتحلقين من حول الثورة - لقيادتها - سرعان ما ثبت أنهم أعجز - رغم تعدد أطيافهم ومشاربهم، وربما بسبب ذلك، عن نيل التأييد الجماهيرى اللازم لإضفاء المشروعية للحكام الجدد،   ما خلق «أزمة قيادة وحكم » ، ربما تؤدى مع استمرارها إلى نشوب «ثورة مضادة » للغايات العليا التى من أجلها خرجت الجماهير إلى الشوارع فى يناير - فبراير 2011 ، قد تنحو نحو «فاشية » جديدة باسم المقدس الدينى أو إلى إعادة إنتاج النظام السابق بكل سوءاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، أو إلى حدوث انقلاب عسكرى مجدداً .. قد يمثل أهون الأضرار بالمقارنة بالخيارات الأخرى المطروحة .

وبرغم اتجاه النظم السياسية الحديثة فى مجملها، بأقله منذ مطلع القرن الواحد والعشرين، إلى إعلاء قيم وآليات مأسسة الدولة، من دون الاعتماد، كما فى السابق، على الشخصية القيادية الموحية بالثقة التى سرعان ما تتحول بمرور الوقت إلى الديكتاتورية، إلا أن الأمر قد يختلف بالنسبة للحالة المصرية، وربما لمثيلات غيرها من دول العالم الثالث، مازال تقدمها والخروج من مأزقها .. رهن بوجود مثل هذه الشخصية .. التى أصبح العثور عليها أشبه بالبحث عن قطة سوداء فى غرفة مظلمة .. من فرط ما جرى من تجريف العهود السابقة لمثل هذه الكفاءات، إلا أن الأمر مازال يحتاج إلى شرف المحاولة فى البحث عن زعيم على غرار «عرابى » و «زغلول » و «عبدالناصر ».. يقود البلاد - ولو لمرة أخيرة - إلى برّ الأمان المؤسسى الديمقراطى .
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة