اقتصاد وأسواق

مستقبل المعونة‮.. ‬بين المراوغات الأمريكية والحصار المصري


مني كمال

تسعي الحكومة المصرية للتغلب علي عدم وضوح الرؤية الامريكية تجاه مستقبل المعونة بعد ان حسمت ادارة الرئيس اوباما موقفها من الميزانية الاجمالية لبرامج المساعدات لمنطقة الشرق الاوسط دون ان تتطرق الي بعض المقترحات الرئيسية التي تقدمت بها بعض الدول المستفيدة وفي مقدمتها مصر، لادخال بعض التعديلات المهمة الخاصة بتدفق المعونات اليها.

 
 خليل أبوراس
وكانت الحكومة المصرية قد فوجئت باحالة ادارة الرئيس اوباما مقترحها المتعلق بامكانية تخصيص مبلغ 50 مليون دولار من اموال المساعدات الاقتصادية لربط وديعة او وقف En dowment تساهم فيه الحكومة المصرية ايضا ليعمل علي تعويض الخفض ا لذي تعتزم اجراؤه الادارة الامريكية تدريجيا للمعونة -الي وزارة الخارجية الامريكية لتعرضه علي لجنة الاعتمادات بالكونجرس في وقت لاحق.

هذا الموقف ألقي بمزيد من الغموض علي حقيقة الموقف الامريكي من المقترحات المصرية وفرص الاتفاق حولها في الاجل القريب، وهو ما اعتبره خبراء العلاقات المصرية الامريكية في حاجة الي اعادة نظر لبلورة تحرك فعال يهدف للضغط علي ادارة اوباما لاتخاذ موقف واضح الملامح تجاه المقترحات المصرية يسمح باستيعاب الاحتياجات التي عبر عنها.

تقول الدكتور ماجدة شاهين، رئيس مركز دعم القطاع الخاص بالغرفة التجارية الامريكية بالقاهرة، ان الحكومة المصرية بدأت منذ عدة سنوات ايجاد صيغ مختلفة للتعامل مع الملفات الخارجية خاصة فيما يتعلق بتعاملاتها المالية سواء علي مستوي اعادة جدولة مديونياتها الخارجية او اهتمامها بالمساعدات الخارجية، فنجدها اعدت صيغة للاولي تمثلت في آلية مبادلة الديون مقابل مشروعات تنموية والتي نفذتها مع معظم الديون التي عليها لدول الاتحاد الاوروبي.

واضافت انه فيما يتعلق بالمساعدات الي وقت قريب لم تكن تحتاج الي ايجاد صيغ للتعامل معها نظرا لعدم مجابهتها لأي مشكلات مع الدول علي هذا الصعيد حتي قامت الادارة الامريكية بطرح فكرة تخفيض المساعدات الاقتصادية لمصر منذ نحو ثلاث سنوات علي اساس تحقيق قيمة هذه المساعدات بعد عام 2008 علي مدي خمس سنوات بمقدار 200 مليون دولار من اجمالي المساعدات التي تصل الي 415 مليون دولار، حيث رفضت مصر حينها هذا الاقتراح واعتبرته تعنتا من قبل الادارة الامريكية.

واضافت انه في عز الازمة التي اثارها هذا الطرح الامريكي قامت مصر بطرح مبادرة تقضي بالغاء برنامج المساعدات في غضون 10 سنوات اعتبارا من العام المالي 2009 والذي يبدأ في امريكا في شهر سبتمبر، وتمثل هذا الطرح في تحويل المساعدات الامريكية الي وديعة تقوم علي اساس ان كل دولار تضعه الحكومة الامريكية تقابله المصرية بالجنيه علي ان تستخدم عوائد هذه الاموال لتمويل مشروعات تنموية مشتركة بين البلدين لافتة الي ان هذه الصيغة كانت تهدف بشكل او بآخر الي تثبيت المساعدات وضمان استمراريتها، ولكن في اطار هيكل حالي متعلق بالشراكة وذي صيغة اقتصادية اكثر منه هبة.

وقالت ماجدة شاهين ان هذا الاقتراح لم يلق صدي عند الجانب الامريكي الذي كان وقتها لا يزال يماطل في امكانية بدء المفاوضات حول اتفاقية التجارة الحرة، وتبع ذلك رفض ادارة بوش البت في هذا الامر، وتلي ذلك اتخاذها قرارا بتخفيض المساعدات الاقتصادية بنسبة تجاوزت %50 من موازنة العامل الماضية لتصبح 200 مليون دولار دون ابداء اسباب.

وبذلك تكون قد نفذت المقترح الذي تقدمت به اوائل هذا العام دون الاخذ بموافقة الجانب المصري.

واشارت الي انه مع تغيير الادارة الامريكية قامت مصر بإعادة صياغة المقترح ووضعته تحت مسمي »وديعة الصداقة المصرية - الأمريكية« بهدف اعادة هيكلة برنامج المساعدات الامريكية وتحويله الي برنامج للشراكة الاستراتيجية بين البلدين في المجالات الاقتصادية والتجارية.

وتم عرض هذا المقترح في زيارة لمجلس شيوخ ولاية كاليفورنيا الي القاهرة في الربع الاخير من العام الماضي حيث قامت وزيرة التعاون الدولي بشرح التصور المصري لمستقبل المساعدات من خلال انشاء وديعة تمويل مجموعة من الصناديق والمشروعات منها صندوق مبارك - أوباما للتعليم والعلوم والتكنولوجيا، وتنمية الموارد البشرية، وبناء قدرات المؤسسات، هذا الي جانب برامج للتعاون في مجال مكافحة الفقر والمشروعات الصغيرة والمتوسطة ودعم القطاع الخاص.

واضافت ان وزير التجارة والصناعية  المهندس، رشيد محمد رشيد في زيارته للولايات المتحدة الامريكية في شهر اغسطس الماضي كان قد عرض ثلاثة ملفات رئيسية اولها توسيع اتفاقية الكويز، وثانيا انشاء صندوق او وديعة مشتركة كبديل للمساعدات الاقتصادية، واخيرا اعفاء مصر من خدمة ديونها لامريكا، لكن الملفات الثلاثة لم يتم البت فيها نظرا لأن تداعيات الازمة في ذلك الوقت كانت قد فرضت نفسها علي القضايا المطروحة، وحاولت مصر الحصول علي الحد الادني من المكاسب علي صعيدي التجارة والاستثمار.

وتوقعت ماجدة شاهين الا تلجأ ادارة اوباما لاتخاذ قرارات بأي اجراءات تعديلية في القضايا التي تعد بمثابة ثوابت مثل ملف المساعدات نظرا لانشغالها بانتشال الاقتصاد الامريكي من الازمة في الوقت الحالي وتعليق جميع الملفات التي تتطرق لقضايا اخري.

ويقول الدكتور طاهر حلمي، رئيس مجلس ادارة مجلس الاعمال المصري الامريكي ان الكونجرس الامريكي طوال سنوات حكم الرئيس جورج بوش كان يضع شروطا حول منح مصر المساعدات وهو ما خلق جوا من التوتر في العلاقات بين البلدين، هذا الي جانب ربطه لمنح 100 مليون دولار من المساعدات لتحسن المناخ الديمقراطي وملف حقوق الانسان.

وهو ما اعتبرته الحكومة المصرية وقتها تدخلا سافرا في سياساتها الداخلية.

واضاف حلمي انه بعد استبعاد ملف عقد اتفاقية التجارة الحرة بين مصر وامريكا في اطار ادارة بوش لتنفيذها واستبعاد طرحه علي ادارة اوباما نظرا لظروف الازمة الاقتصادية وارجاء الادارة الامريكية الجديدة لمثل هذه الملفات التجارية لما بعد انحصار تداعيات الازمة علي الاقتصاد الامريكي واستبعادها من الاولويات ركز القطاع الخاص المصري علي عدد من البدائل وبدء مرحلة جديدة من التعاون وبدأ يتطلع للتوصل الي تعديل بعض الاتفاقيات بين البلدين مثل اتفاقية الاستثمار واتفاقية المعاهدة الضريبية وزيادة حجم التبادل التجاري وتوسيع نطاق الكويز.

وأكد طاهر ان لجنة الاعتمادات بالكونجرس عند نظرها مؤخرا في الميزانية النهائية للعام الحالي لم تبد اي تحفظ او شروط حول المساعدات العسكرية او الاقتصادية لمصر لافتا الي انه ينتظر ان يوافق عليه الكونجرس دون تقديم اي تعديلات بالرغم من ادراج المطلب المصري بربط الوديعة بملف المساعدات للعام المالي المقبل.

واضاف ان هذا المطلب تمت احالته لوزارة الخارجية الامريكية لتتم دراسته واعادة عرضه مرة اخري لافتا الي انه لا يمكن التنبؤ بمصير هذا الاقتراح في الوقت الحالي.

ومن جانبه، قال الدكتور خليل ابوراس، خبير التمويل ان المسألة غير خاضعة لرغبة مصر بقدر خضوعها للظروف التي يمر بها الاقتصاد الامريكي في الوقت الحالي، فالدولار لم يعد يلقي القبول من قبل الاقتصاد العالمي هذا الي جانب ان امريكا كقوة اقتصادية لم تعد قادرة علي الاستمرار كقائد للاقتصاد العالمي فنحن اصبحنا امام دولة عملتها سعر الفائدة عليها اصبح يقارب الصفر ولن يستطيع الدولار العودة لقوته قبل نحو 10 سنوات.

واضاف ان امريكا لم تعد كتلة اقتصادية واحدة كقبل الازمة وانما تحولت الي كيانات منفصلة ممثلة في شركات كبري خاضعة لسياسات مشكوك في امرها، والدليل علي ذلك انهيار شركات والسيارات الامريكية وتحبط شركات البترول في تسعير البترول مؤخرا مؤكدا ان الاقتصاد الامريكي بعد ان كان مسيطرا علي %40 من اقتصاد العالم اصبحت مرشحة للانخفاض الي النصف حتي 2011 حيث من المرجح تراجع حصتها لصالح الصين.

واشار الي ان كل العوامل السابقة الي جانب انحصار دورها تدريجيا في المنطقة بالتزامن مع »تقلص« دور مصر الريادي والسياسي في المنطقة من وجهة نظر الكونجرس، وهو ما جعله يشعر بأن فاتورة كسب دور مصر الريادي اصبحت مكلفة الي جانب سيطرة اللوبي اليهودي علي التوجهات الامريكية، وكل ذلك يجعل هناك صعوبة في موافقة امريكا علي هذا الطرح المصري.

واضاف ان فكرة انشاء وديعة او صندوق سوف تغل يد الجانب الامريكي والتي كان يبسطها في اطار المساعدات الحالية في انفراده بتوزيع الاموال علي الشركات الامريكية.

اما وفقا لهذا الطرح فسيكون لمصر دور في توزيع المشروعات التنموية وفقا لاجندتها الخاصة.

واضاف ابو راس ان الوديعة او الصندوق ما هو الا صيغة للالتفاف حول تراجع حجم المساعدات الامريكية ومحاولة لوضع سياسات بديلة للحفاظ عليها.

يذكر ان مصر كانت قد حصلت علي المعونة الاقتصادية من امريكا وقدرها 815 مليون دولار سنويا منذ توقيع معاهدة السلام مع اسرائيل عام 1979 علي ان يتم تخفيضها بنسبة %5 سنويا فوصلت الي 415 مليون دولار عام 2008 وتم تخفيضها بشكل استثنائي بنسبة %50 دون ابداء اسباب لذلك.
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة