استثمار

نجاح الخطط التنموية مرهون بتحديد أولويات المشروعات وكيفية مشاركة القطاع الخاص


أحمد شوقي - أحمد عاشور

 

 
أثار إعلان الدكتور سمير رضوان، وزير المالية بحكومة رئيس الوزراء عصام شرف باعتماد ثلاثة محاور رئيسية لمواجهة التداعيات الاقتصادية لثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك جدلا واسعا بين أوساط الخبراء الاقتصاديين حول مستقبل هذه الخطة وإمكانية تنفيذها في الوقت الحالي، التي تتمثل في اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة الأزمة الحالية التي نتجت عنها زيادة عجز الموازنة وانخفاض معدلات النمو من خلال ضخ حزمة من الإجراءات أو المشروعات التي تولد فرص عمل فورية وسريعة، واستكمال مشروعات الهيئات الخاصة بالأشغال العامة »نقل - طرق - كباري - صيانة« فضلا عن الاهتمام بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإنشاء كيان موحد للتعامل معها وضخ استثمارات في المشروعات الضخمة لاستيعابها مثل مشروع ممر التنمية ومشروع تنمية شرق بورسعيد كمنطقة تجارية ومشروعات الإسكان منخفض التكاليف.

 
واحتدم الجدل بدرجة واسعة حول إمكانية ضخ استثمارات في مشروعات تنموية ضخمة خلال الوقت الحالي الذي يتكبد فيه الاقتصاد المصري خسائر تقدر يوميا بما لا يقل عن 565 مليون جنيه، ففريق من الخبراء يؤكد أن هذا الاتجاه سيعمل علي زيادة معدل النمو وتوفير مزيد من فرص العمل إلا أن البعض الآخر يري أن هذا الاتجاه غير عملي في المرحلة الحالية، التي تتطلب حزمة من الإجراءات الاستثنائية التي تخرج الاقتصاد المصري من ضربة التباطؤ التي يمر بها في أعقاب الثورة الشعبية، التي بدأت في 25 يناير الماضي خاصة في ظل تزايد الاحتجاجات الفئوية والفتنة الطائفية كنتيجة مباشرة لغياب الجهاز الأمني.

 
وربط محمد فريد خميس، رئيس الاتحاد المصري لجمعيات المستثمرين، نجاح الحكومة في تحقيق النمو الاقتصادي من خلال ضخ المزيد من الاستثمارات في المشروعات التنموية الضخمة، بمجموعة من المحددات منها وضع قائمة بأولويات تلك المشروعات التنموية الضخمة بمجموعة من المحددات منها وضع قائمة بأولويات تلك المشروعات لتنفيذها في الوقت الحالي، مشددا علي ضرورة أن تحتل مشروعات الاستصلاح الزراعي مقدمة قائمة تلك الأولويات، ثم يليها التصنيع المحلي ومشروعات البنية التحتية تأتي في المرتبة الثالثة.

 
وأكد علي ضرورة وضع ضوابط وإجراءات محددة تنظم دور القطاع الخاص في المشاركة في تلك المشروعات تجنبا للتلاعب أو قيام أي عمليات إدارية فاسدة.

 
ودعا الحكومة إلي أن تضع في اعتبارها السلبيات التي تمت في عهد النظام السابق أثناء تنفيذ مشروعات التنمية الكبيرة التي كان من المتوقع أن تعود بعائد اقتصادي كبير كمشروع توشكي الذي تعدي حجم استثماراته ما يقرب من 12 مليارا ولم يتم استراداد إلا %10 من تلك المبالغ حتي الآن.

 
وطالب بوضع جدول زمني محدد للانتهاء من تلك المشروعات والعائد المتوقع من تنفيذ هذه المشروعات من خلال الاستعانة بالمكاتب الاستشارية المصرية والأجنبية المتخصصة وأعلنها في وسائل الإعلام المختلفة لتعبئة الرأي العام وإرسال رسالة للمستثمرين الأجانب تؤكد أن بيئة الاستثمار لم تتأثر حتي الآن.

 
وأشاد بمبادرة رجال الأعمال السعوديين الخاصة بتأسيس بنك الإنماء والاستثمار المباشر في مصر برأسمال مرخص به 100 مليار جنيه بمشاركة جهات حكومية مصرية وسعودية إلي جانب عدد من رجال الأعمال من البلدين باعتبارها خطوة إيجابية لدفع عجلة الاستثمار الأجنبي والمحلي في مصر خلال الفترة المقبلة خاصة في ظل ارتفاع مخاطر الاستثمار في ظل الظروف التي يمر بها المجتمع المصري حاليا.

 
وكانت »المال« قد كشفت عن مبادرة أعلنها الشيخ صالح كامل رئيس مجلس إدارة الغرف التجارية والصناعية السعودية، عن إنشاء أول بنك للاستثمار المباشر في المنطقة العربية يستهدف الاستثمار في المشروعات التنموية مرتفعة المخاطر وطويلة الأجل، مشيرا إلي أن الرافعة المالية للبنك لن تتوقف علي رأسماله الذي سيفتح للاكتتاب أمام رجال الأعمال والمؤسسات المصرية والسعودية، حيث يستمد البنك مصادر تموله من ثلاثة مصادر رئيسية ممثلة في دخول بنك للمشاركة في عمليات التمويل التي يقدمها البنك عبر آلية الإقراض المشترك فيما يتمثل المصدر الثالث للتمويل في إصدار الصكوك علي تتيح هذه المصادر استثمار أضعاف رأسمال البنك في صورة تمويل.

 
وأشار إلي ضرورة الاهتمام بالصناعات كثيفة العمالة كقطاع الغزل والنسيج من خلال تدخل الحكومة المباشر في دعم تلك الصناعة خلال الفترة المقبلة في ظل الارتفاع المستمر في أسعار القطن.

 
وشدد الدكتور علي سليمان، أستاذ الاقتصاد بالجامعة البريطانية في مصر، علي أن ضخ المزيد من الاستثمارات في مشروعات تنموية ضخمة هو السبيل الوحيد للنهوض بالاقتصاد المصري من الانهيار، نظرا لأهمية هذه المشروعات في استيعاب قوي عاملة كبيرة خلال الفترة الحالية خاصة بعد توقعات بقدوم ما لا يقل عن مليون عامل مصري من ليبيا بعد الأحداث الأخيرة، التي تنادي بسقوط نظام معمر القذافي التي تطورت لتصل إلي حرب أهلية.

 
وأكد ضرورة الاستفادة من التجارب التي تمت من قبل والتي أهدرتها الحكومة المصرية مثل مشروع توشكي، الذي كان يستهدف خلق دلتا جديدة جنوب الصحراء الغربية موازية للنيل تساهم في إضافة مساحة تصل إلي 540 ألف فدان للرقعة الزراعية يتم ريها بمياه النيل عبر ترعة الشيخ زايد التي تبلغ حصتها من المياه حوالي 5.5 مليار متر مكعب سنويا يتم من خلاله التغلب علي الفجوة الغذائية، وذلك بزيادة الرقعة الزراعية بحوالي 540 ألف فدان تصل في المستقبل إلي مليون فدان، وتعظيم عائد الموارد المتاحة وزيادة الصادرات الزراعية مما يساعد علي تقليل العجز في الميزان التجاري فضلا عن توفير فرص عمل للكثير من الشباب وخاصة من شباب صعيد مصر.

 
وأشاد سليمان، بتبني الحكومة الانتقالية مشروع ممر التنمية للعالم فاروق الباز، مشيرا إلي أن المشروع يفتح آفاقا جديدة للنمو العمراني والزراعي والصناعي بالقرب من التجمعات السكنية وإنشاء 200 مدينة جديدة ونصف مليون قرية علي جانبي ممر التنمية الذي يضم 15 تجمعا عرضيا غرب نهر النيل والدلتا والتي تبدأ من العلمين وحتي توشكي، وتربط بينهما وبين الوادي القديم شبكة طرق برية وسكك حديدية.

 
وشدد علي ضرورة الاعتماد علي مصادر تمويل ذاتي، من خلال تبني اقتراح العالم المصري فاروق الباز، الخاص بإنشاء شركة خاصة باستثمارات مصرية تطرح أسهمها في السوق بسعر جنيه واحد للسهم ليتمكن جميع المواطنين من المساهمة في عملية تمويل المشروع ثم اللجوء إلي التمويل الأجنبي للوفاء بباقي المستلزمات الخاصة بتنفيذ المشروع.

 
جدير بالذكر أن مشروع ممر التنمية يتضمن طريقا رئيسيا، يعتبر المحور الأساسي للسير السريع بالمواصفات العالمية يبدأ من غرب الإسكندرية ويستمر حتي حدود مصر الجنوبية بطول  1200 كيلو متر تقريبا و12 محورا من الطرق العرضية التي تربط الطريق الرئيسي بمراكز التجمع السكاني علي طول مساره بطول كلي حوالي 800 كيلو متر إلي جانب شريط سكك حديدية للنقل السريع بموازاة الطريق الرئيسي وأنبوب ماء من بحيرة ناصر جنوبا حتي نهاية الممر علي ساحل البحر المتوسط، فضلا عن خط كهرباء يؤمن توفير الطاقة في مراحل المشروع الأولية.

 
من جانبه قال الدكتور مصطفي السعيد، وزير الاقتصاد السابق إنه يجب علي الحكومة الحالية في مصر أن تعطي الأولوية قبل أن تتبني أي خطة تنموية مستقبلية، لاستعادة الأمن والاستقرار للشارع المصري مطالبا في الوقت نفسه بتشجيع القطاع الخاص لاستعادة ثقة رجال الأعمال في مناخ الاستثمار بعد أحداث ثورة 25 يناير التي أدت لحالة من الانفلات الأمني وهروب رؤوس أموال إلي الخارج.

 
وأكد أهمية أن يلعب رجال الأعمال دورا مهما في تنفيذ أي خطة تنموية خلال المرحلة المقبلة، مطالبا بالفصل في قضايا الفساد التي تورط فيها رجال الأعمال بطريقة تضمن حقوق الشعب المصري، بالإضافة إلي عدم فقد ثقة المستثمرين بالاقتصاد من خلال فسخ العقود التي يثبت تورط أصحابها في قضايا فساد وغش أو تزوير، وتكون مبنية علي غير سند قانوني مضيفا أنه فيما يتعلق بتلك العقود التي تمت بطريق قانوني ودون تلاعب من المستثمرين فيجب محاكمة المسئولين المصريين عنها ، وعدم الإضرار بمصالح رجال الأعمال.

 
وأشاد السعيد بجهود وزارة المالية في كسب ثقة المستثمرين من خلال التأكيد علي أهمية الاقتصاد الحر، مطالبا في الوقت نفسه بتفعيل دور شركات قطاع الأعمال العام لتلعب دوراً محوريا في عملية ضبط الأسعار والقضاء علي الاحتكار خاصة في السلع الاستراتيجية بالإضافة إلي تطبيق القوانين المتعلقة بذلك.

 
وقلل شريف سامي ،مستشار رئيس الهيئة العامة للاستثمار، والمناطق الحرة، من احتمالات تبني الحكومة الحالية خططاً تنموية بعيدة المدي، مبررا ذلك بكونها حكومة مؤقتة بالإضافة إلي إنشغالها بتلبية المطالب الفئوية لإرضاء الرأي العام.

 
وأكد سامي أهمية وجود كيان قانوني واضح يتبني المشروعات بعيدة المدي مثل مشروع ممر التنمية بحيث يتولي ذلك الكيان القيام بالدراسات اللازمة لتنفيذ تلك المشروعات مشددا علي أهمية أن يلعب القطاع الخاص دورا بارزاً بالإضافة إلي الدور الحكومي لتنفيذ تلك الخطط، الأمر الذي يتطلب إجراءات واضحة من جانب الحكومة لاستعادة الثقة في مناخ الاستثمار، خاصة بعد رفع العديد من قضايا الفساد علي الكثير من رجال الأعمال. وشدد علي أهمية تحديد التوجهات المستقبلية للاقتصاد المصري، خاصة فيما يتعلق بالضرائب والأجور والموقف من القطاع الخاص، مؤكدا أن ذلك لن يتم قبل انتخاب رئيس للجمهورية، بالإضافة إلي أعضاء البرلمان مع ملاحظة أنه لا توجد جهة محددة في الوقت الراهن تستطيع تخصيص أو تسعير أي مساحة من الأرض. وأوضح أن التغطية الإعلامية للمحاكمات، التي يتعرض لها رجال الأعمال بعد الثورة أدت لزعزعة ثقة المستثمرين بالاقتصاد المصري، مبررا ذلك بتعامل الإعلام مع رجال الأعمال علي أنهم مدانون بالفعل رغم أن ذلك لم يثبت بعد.

 
وأكد أن الحكومة الحالية يجب أن تتعامل مع هذه القضايا، في محاولة لكسب ثقة المستثمرين ليلعبوا دورا مهما في تنفيذ خطط التنمية المستقبلية.

 
واعتبر سامي شركات قطاع الأعمال العام هي الذراع الاستثمارية للحكومة، التي يمكن أن تستثمر امكانياتها خلال المرحلة المقبلة لتحقيق خطط التنمية بعيدة المدي، خاصة أن تلك الشركات قامت خلال السنوات القليلة الماضية بتنفيذ العديد من التوسعات وعمليات الإحلال والتطوير التي تجعلها قادرة علي المنافسة في المستقبل.

 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة