اقتصاد وأسواق

‮»‬الزراعة التعاقدية‮« ‬صيغة جديدة لضمان حصة في التجارة الخارجية


مني كمال
 
تعرضت السياسات الزراعية التي تبنتها وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي للعديد من الانتقادات، خاصة توجهها نحو جذب الاستثمارات كثيفة رأس المال سواء الأجنبية أوالمحلية وإهمالها المزارع الصغير، الذي يعد أحد العناصر الأساسية في أي خطة يمكن وضعها لتحقيق التنمية الزراعية.

 
 سعد نصار
يأتي ذلك في الوقت الذي يعاني فيها المستثمر الزراعي الصغير من استمرار حالة العزوف المصرفي عن تمويل هذا القطاع بالشكل المطلوب في ظل غياب دور البنك المتخصص وهو بنك التنمية والائتمان الزراعي نظراً لخضوعه منذ فترة كبيرة لعمليات إعادة الهيكلة بعد التعثر الشديد، الذي أصاب محفظته الائتمانية وبالتالي غاب كل من الدور الاقتصادي والاجتماعي للبنك في مساندة وخدمة المزارعين والقطاع الزراعي ككل.
 
وعزز من غياب دور الاستثمارات الزراعية الصغيرة الاتجاه السائد لتعزيز فرص نمو القطاع الصناعي المدعوم من قبل السياسات الحكومية التي تصب في ذلك الاتجاه، هذا إلي جانب إلغاء وزارة الزراعة إحدي آلياتها المتبعة منذ الثمانينيات المتعلقة بتخصيص الأراضي للخريجين الراغبين في الاستصلاح الزراعي ببعض المناطق، وذلك للقضاء علي فرص التلاعب بهذه الأراضي واستغلالها في غير محلها.. إلا أن هذا القرار قد قضي أيضاً علي فرص الشباب الجادين في القيام بعمليات استصلاح.

 
ومؤخراً ظهرت بوادر اتجاه محمود نحو تضمين السياسات الزراعية الحالية بعض الصيغ التعويضية للمزارع الصغير تضمن اسهامه بدور في خطة التنمية الزراعية بدلاً من تهميشه وفي الوقت نفسه ربطه بالمشروعات الأكبر حجماً، وبذلك تكون الدولة قد فتحت الباب أمام المستثمر الكبير لضخ رؤوس أمواله والاستفادة من خبرته.. وفي الوقت نفسه تحقيق ما يعرف بالربط العنقودي بين المشروعات الصغيرة والمتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر.

 
ويمثل هذا الاتجاه في إعلان أمين أباظة، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، الأسبوع الماضي أنه تقرر تنفيذ برنامج متكامل لتحديث الزراعة في الوادي والدلتا بمشاركة من القطاع الخاص يستهدف التوسع فيما يعرف بالزراعة التعاقدية بهدف تحقيق أقصي استفادة للمزارع الصغير عن طريق تعاقده مع إحدي الشركات العالمية لتوريد المحصول.. وهو ما حدث مؤخراً مع شركة »ماكرو« العالمية التي تعاقدت مع عدد من المزارعين علي إقامة مجمعات زراعية متكاملة لتوريدها إلي سلاسل الشركة في جميع دول العالم إلي جانب إقامتها مراكز لتعبئة وتجميع الفاكهة.

 
من جانبه يقول الدكتور سعد نصار، مستشار وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، إن الوزارة لديها أكثر من آلية لدعم المشروعات الزراعية لصغار المستثمرين في هذا القطاع تأتي في مقدمتها »الزراعة التعاقدية«، والهدف الأساسي منها هو استفادة المزارع الصغير والقضاء علي مشكلة تفتيت الحيازة الزراعية بحيث يتم توظيف هذه المساحات المزروعة في خدمة تنمية حجم الإنتاج الزراعي من ناحية وفي الوقت نفسه الاستفادة من الخبرات الأجنبية في تحسين جودة المنتج من خلال تطبيق وسائل وطرق جديدة للزراعة الحديثة.

 
وأكد أن الاستفادة سوف تكون متبادلة بين المزارع الصغير والشركة المتعاقدة معه، حيث سيتم عمل برنامج لتدريب المزارعين علي استخدام التقنيات الحديثة والأساليب الزراعية المتطورة لضمان منتج زراعي مطابق لمواصفات الجودة العالية القابلة للتصدير، لافتاً إلي أنه جار التفاوض مع عدد من الجهات للمشاركة في برنامج التطوير والتمويل الخاضع لهذه العقود ومنها بنك التنمية والائتمان الزراعي، حيث سيقدم الدعم المالي اللازم لهؤلاء المزارعين إلي جانب الاتحاد العام لمنتجي ومصدري الحاصلات الزراعية والبستانية.

 
وحول دور وزارة الزراعة أكد نصار أنها ستعمل علي ضمان حقوق المزارعين من خلال صيغ عقود محددة تشمل المدة الزمنية للتعاقد، وسعراً عادلاً للمحصول، حيث يحق للمزارع فسخ العقد في حال إخلال الشركة ببنود العقد والتعاقد مع شركة أخري كما أن العقود ستحدد الجودة المطلوبة للمنتج وشروط السلامة.

 
من جانبه يقول شريف البلتاجي، رئيس المجلس التصديري للحاصلات الزراعية، إن الحكومة تستهدف زيادة الصادرات المصرية من الخضر والفاكهة خلال ثلاث سنوات بنسبة %76 بحيث ترتفع من 10.6 مليار جنيه في عام 2009 إلي 18 مليار جنيه في 2013، وهو ما يتطلب مضاعفة الصادرات خلال الفترة المقبلة.

 
وأشار إلي أن مضاعفة الصادرات تعني مضاعفة الدفعة المزروعة، ولن يتم ذلك إلا من خلال التوسع الزراعي الأفقي بعدما اسُتنزفت فرص التوسع الرأسي، لافتاً إلي أن وزارة الزراعة تتخذ حالياً سياسات متوازية في الوقت الذي تطرح فيه الأراضي للاستصلاح الزراعي في بعض المناطق مثل توشكي وترعة الاسماعيلية وغيرها وتستحوذ علي معظمها استثمارات كبيرة الحجم ومعظمها أجنبية وعربية والأقلية محلية أوجدت صيغة موازية للاستفادة من الحيازات الزراعية الصغيرة وتجميعها تحت مظلة بدلاً من الشتات الذي كانت تعاني منه وفي الوقت نفسه دعم فرصها التنافسية من خلال الاستفادة من الخبرات في تجويد المنتج  الزراعي، وبالتالي فتح الأسواق التصديرية أمامه.

 
وأشار البلتاجي إلي أن المجموعة الوزارية للسياسات الزراعية، تم تشكيلها بقرار من رئيس مجلس الوزراء رقم 2791 لسنة 2009 ويرأس اللجنة وزير المالية، وأعضاؤها وزارة الزراعة  والتجارة والصناعة والاستثمار والموارد المالية والتي كانت قد أعلنت في أول اجتماع لها نهاية الشهر الماضي عن بدء تنفيذ 3 مشروعات كبري للتنمية الزراعية تهدف إلي رفع كفاءة وإنتاجية الحاصلات الزراعية والبستانية في الوادي القديم مع توسيع الرقعة الزراعية.

 
وأوضح أن أحد أهم المشروعات الثلاثة هو الخاص بطرح مساحات من الأراضي الزراعية بأسلوب المشاركة بين كبار المستثمرين وصغار الخريجين ويهدف هذا المشروع إلي توسيع الرقعة الزراعية في طريق توسيع فرص تملك الأراضي بغرض الاستصلاح.

 
ومن المقترح مبدئياً أن يتم اختيار مجموعة من الأراضي بالوجهين القبلي والبحري لافتاً إلي أن مثل هذا المشروع يعزز من فرص زيادة الرقعة الزراعية وإنتاجها، وفي الوقت نفسه إتاحة الفرصة لشباب الخريجين لإقامة مشروعات صغيرة مرتبطة بالأكبر منها حجماً في القطاع الزراعي، ولتكن مثلاً مشروعات للتغليف أو التعبئة أو المشروعات الخاصة بالألبان وغيرها.

 
من جانبها تقول هديل عبدالقادر، استشاري تنمية المشروعات الصغيرة بالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، إن إيجاد وزارة الزراعة بصيغة تلائم المزارع الصغير هو اتجاه محمود، نظراً لانخفاض حصيلة القطاع الزراعي من إجمالي المشروعات الصغيرة الموجودة حالياً رغم أهمية هذا القطاع وقدرته علي توظيف حجم لا بأس به من الشباب، لافتة إلي أن أحد العوامل الأساسية لضعف حصة القطاع الزراعي داخل القطاع هو صعوبة الحصول علي تمويل من العديد من الجهات في ظل غياب دور البنك المتخصص.

 
وأشارت إلي أن المشروعات الممولة من جانب الصندوق الاجتماعي للتنمية في هذا القطاع تعد محدودة مقارنة بالمشروعات التي يتم تمويلها بالقطاعين الصناعي والتجاري والخدمي، وقد يرجع هذا أيضاً إلي انخفاض الطلب عليها لأنها تتطلب وجود الأرض كأصل يمكن الاقتراض بضمانه.

 
وأكدت أن السياسات الزراعية مما لا شك فيه بطرحها صيغاً مثل »الزراعة التعاقدية« تضمن للمشروعات الزراعية الصغيرة فرصاً واعدة للتسويق محلياً ودولياً وتفتح أمامها القنوات التصديرية المختلفة.
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة