سيـــاســة

خبراء‮: ‬دعم الكنيسة لانعزال الأقباط محرك رئيسي للعنف الطائفي


محمد ماهر
 
»عندما ينقشع غبار الأحداث المأساوية بنجع حمادي فإن الضرورة تقتضي أن ننظر للأمر من مختلف الزوايا حتي يتسني لنا الوقوف علي مسببات الحادث وذلك من أجل تجنب تكراره« بهذه الكلمات عبر كمال غبريال، أحد النشطاء الأقباط العلمانيين عن وجهة نظره حيال مرحلة ما بعد أحداث ليلة عيد الميلاد، مشيراً إلي أن جانباً أساسياً من المسئولية عن حالة الاحتقان الطائفي التي تفشت مؤخراً في المجتمع - والتي كانت السبب الرئيسي في أحداث نجع حمادي - تقع علي عاتق المؤسسة الأرثوذكسية. اتهام غبريال للكنيسة بمسئوليتها عن السياق العام الطائفي فجر ردود أفعال بين أوساط المحللين والمراقبين، لاسيما أنها المرة الأولي التي توجه فيها أصابع الاتهام للمؤسسة الأرثوذكسية، كما أن ملاحظاته انصبت علي بعض الأمور غير التقليدية مثل منظومة التعليم الكنسي والسياسات البابوية، وذلك بعد أن كانت الاتهامات السابقة للكاتدرائية تنصب فقط علي موافقتها علي مجالس الصلح العرفي.  فبالرغم من أن كمال غبريال، الكاتب والباحث العلماني القبطي، أكد أن مسئولية المناخ والسلوك الطائفي الذي تفشي في الشارع هي مسئولية الدولة في المقام الأول، فإنه أشار إلي أن هناك بعض المؤسسات الأخري لعبت دوراً مباشراً في عدم المعالجة الجذرية للحوادث الطائفية، الأمر الذي يعني ترسيخها وتجذرها في المجتمع بمرور الوقت، موضحاً أن المؤسسة الكنسية تضطلع بمسئولية مباشرة في هذا الشأن حيث إنها ساهمت إلي حد بعيد في تعزيز النعرة الطائفية، بالإضافة إلي توطيد أركان السياق الطائفي العام في الدولة. وأوضح »غبريال« أن منظومة التعليم الكنسي والأنشطة الشبابية التي ترعاها الكنيسة تستند إلي عزل الأقباط بالكنائس، فضلاً عن أنها تقوض انخراط الأقباط في الحياة السياسية، ومن ثم فإن هذا يوجد حالة من عدم الثقة المتبادلة بين المسلمين والمسيحيين في المجتمع، لافتاً إلي أن عزلة بسطاء المسلمين في المساجد والزوايا وسيطرة الجماعات »الظلامية« علي عقول البسطاء تحت شعارات دينية يقابلها أيضاً احتكار كنسي للشارع المسيحي.

 
ونبه »غبريال« إلي أن وقف مسلسل العنف الطائفي يرتبط بشقين أولهما المدني، وهو المرتبط بتفعيل القانون وتطبيقه علي المخالفين وعدم الارتكان إلي أي حلول عرفية، أما الثاني فهو الشق الكنسي، حيث يجب أن تتوقف الكنيسة عن خطابها الانعزالي الموجه إلي الشارع المسيحي، فضلاً عن أهمية توقفها عن ممارسة أي نشاط سياسي باسم الأقباط، مؤكداً أن المواقف السياسية للكاتدرائية من تأييد للنظام تقف حجر عثرة باستمرار أمام عمليات التحول الديمقراطي، لاسيما أن الكنيسة تسيطر بالفعل علي الرأي العام القبطي. وشدد علي أن دعاة الإصلاح والتغيير سيكونون بلا أي سند جماهيري في المرحلة المقبلة بعد استئثار الكنيسة والجماعات الظلامية بالرأي العام.
 
وعلي الجانب الكنسي، أوضح القس عبد المسيح بسيط أبوالخير، القيادي الكنسي، أن الكتاب والباحثين العلمانيين لم يضطلعوا بأي دور في رأب الصدع الطائفي في الشارع اللهم إلا بتوجيه سهام النقد إلي الكنيسة وذلك لأغراض دعائية لا تمت بصلة إلي القضاء علي أسباب التوترات الطائفية، متسائلاً أين كان هؤلاء الكتاب والباحثين من محاولات الصلح في أبوفانا أو الكشح أو حتي أحداث نجع حمادي؟ ورداً علي الادعاءات بأن الكنيسة تعزل الأقباط في الكنائس، أكد أبو الخير أن الكنيسة تدفع دائماً في اتجاه انخراط المسيحيين في الحياة السياسية، بل إنها تشترط استخراج بطاقات انتخابية للمقبلين علي الزواج إيماناً منها بهذا التوجة، وأضاف أن الكاتدرائية يجب أن تكون لها علاقاتها القوية مع الدولة وألا تتأثر بالدعاوي العنتيرة، لأنها تدرك جيداً أن الاتجاه الصدامي مع الحكومة ستكون له نتائج كارثية علي مصر وعلي المسيحيين أنفسهم، لذلك فهي لا تلقي بالاً بكل المهاترات التي تأتيها من النشطاء العلمانيين، لأنها تأتي دائماً ممن هم خارج السياق.
 
وحول دور الكنيسة في السياق العام الطائفي وتعثر عمليات الإصلاح السياسي، نبه أبو الخير إلي أن إشكالية عدم مشاركة الأقباط في الحياة السياسية ترجع أساساً إلي المناخ العام الطارد الموجود في الأحزاب، فضلاً عن بعض المعوقات الأخري لاستيعاب المسيحيين في تلك الأحزاب، مدللاً علي ذلك بأنه علي الرغم من وجود قيادات مسيحية في بعض الأحزاب كالوفد والغد والدستوري الحر، فإن هذه القيادات لم تلعب أي دور في استقطاب الشباب المسيحي للأحزاب، مما يؤكد أن عدم مشاركة المسيحيين في الحياة الحزبية يرجع في الأصل إلي الأحزاب وليست الكنيسة، مضيفاً أن منظومة التعليم الكنسي لا تستند إلي الانعزال كما يدعي البعض وإنما تستند إلي بث روح المحبة والتسامح والإخاء في الوطن.
 
وعلي الجانب التحليلي، أكد نبيل عبد الفتاح، خبير الحالة الدينية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن طبيعة العلاقة القائمة بين الدولة والكاتدرائية ساهمت في إيجاد تربيطات وثيقة الصلة بين السلطة والقيادات الدينية الأرثوذكسية، الأمر الذي ساهم إلي حد بعيد في قيادة الكنيسة للوسط القبطي في شتي المناحي العامة بمباركة النظام، الذي توهم - علي حد قوله - في أن سيطرة الكنيسة علي الرأي العام المسيحي وسيطرة النظام علي الكنيسة سيضمن ولاء الأقباط الدائم له، مشيراً إلي أن هذا تزامن مع انسداد في القنوات الطبيعية للمشاركة السياسية للأقباط خاصة والمصريين عامة، وهو ما ترتبت عليه مستجدات علي الواقع المصري أهمها وجود حزب للأقباط يعرف بالكنيسة. واختتم عبد الفتاح قائلاً إن التنسيق فيما بين الكنيسة والنظام علي ضرورة عدم إحداث تغييرات في شكل وطبيعة النظام الحالي ينبئ بنتائج كارثية أخطرها الانهيار الكامل في العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في الشارع، وهو ما بدأ يظهر سواء في أحداث الكشح أو نجع حمادي.
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة