بنـــوك

دخول الهيئات العامة سوق السندات يزيد صعوبة إدارة الدين الحكومي


محمد كمال الدين

انتهت وزارة المالية من إعداد الحسابات الختامية المبدئية للموازنة العامة للعام المالي 2008/2009، حيث تبين وجود عجز كلي يبلغ 71.9 مليار جنيه بما يمثل %6.9 من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 61.1 مليار جنيه مثلت نسبة %6.8 من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي السابق.

 
 طارق حلمى
وصاحب الإعلان عن تلك المؤشرات المبدئية انتقادات للأداء المالي الحكومي من الدكتور جودت الملط، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، أثناء مناقشة تلك المؤشرات مع لجنة الخطة والموازنة في مجلس الشعب.

وفي تقرير حديث لوزارة المالية عن أداء الموازنة العامة خلال الفترة من يوليو إلي نوفمبر من العام المالي الحالي 2009/2010 شهد صافي أرصدة الدين المحلي في نهاية سبتمبر الماضي صعوداً مسجلاً نحو 513.7 مليار جنيه يمثل %43.5 من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 415.2 مليار جنيه يمثل %40 من الناتج المحلي في نهاية سبتمبر 2008.

وفي سياق الحديث عن الدين المحلي الحكومي، أطلقت الحكومة مع بداية العام الجديد خطة لتنشيط سوق السندات وتحويلها إلي أداة ذات سيولة عالية موازية لسوق الأسهم عبر إجراءات تتخذها وزارتا الاستثمار والمالية والبنك المركزي، وهي الإجراءات التي استهلتها الحكومة بتعديل تشريعي أجرته وزارة الاستثمار علي اللائحة التنفيذية للقانون 95 لسنة 1992، بهدف تيسير إجراءات اصدار السندات بالنسبة للشركات الراغبة، وإلغاء القيود الفنية والمحاسبية التي كانت تحول دون تدفق هذا النوع من الإصدارات في السوق الأولية، وهي الإجراءات التي ستفتح شهية الهيئات العامة لإصدار سندات، التي فسرها مراقبون علي أنها خطوة نحو توسيع دائرة الدين الحكومي بحيث لا تقتصر علي استثمارات القطاع المصرفي في أدوات الدين الحكومي من سندات وأذون خزانة.

يقول الدكتور أحمد سالم، عضو البنك المركزي، مستشار وزير المالية سابقاً، هناك أكثر من واقعة مماثلة لانتقادات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء أداء الحكومة المالي مذكرة بواقعة مشابهة لواقعة الدكتور جودت الملط مع المهندس أحمد عز، رئيس لجنة الخطة والموازنة في مجلس الشعب، حدثت قبيل استقالة حكومة الدكتور عاطف عبيد، عندما كان هناك هجوم شديد علي وزارة المالية من جهاز المحاسبات. وهو ما اضطر الدكتور فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب، إلي اقتراح تشكيل لجنة مشتركة من المالية والجهاز لبحث أوجه الخلاف علي بنود الموازنة العامة، خاصة فيما يتعلق بجزئية الدين العام المحلي، الذي تجاوزت نسبته حينها %100.

ويشدد »سالم« علي أن الحكومة الحالية تصر علي توسيع دائرة الانفاق بشكل تضخمي، وفق قوله، موضحاً أن موازنات الحكومة بعيدة كل البعد عن أبسط النظريات الاقتصادية القديمة وهي نظرية »النقود« التي تقول بأن أي زيادة كمية في النقود لابد أن تقابلها زيادة مماثلة في الإنتاج السلعي حتي لا يتفاقم التضخم، وهو أمر مخالف للأداء الحكومي الراغب في توسيع دائرة الاقتراض دون النظر بعمق إلي كيفية سداد الديون الحكومية.

ويشير »سالم« إلي أن أي قرض حكومي لابد أن تقابله دراسة جدوي فنية واقتصادية تبين كيفية سداد هذا القرض وأوجه إنفاقه، مشدداً علي أن العبرة دائماً وفق أعراف البنك الدولي ليست بكيفية الاقتراض أو السماح بالبند وإنما بفاعلية النفقة والعائد القومي من ورائها وإلا ستغرق الحكومة في دائرة واسعة من الديون سيصعب عليها سدادها فيما بعد.

ويكشف الدكتور سالم أنه قبيل تولي الحكومة الحالية المسئولية في عام 2005 كانت أمام لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب توصيات من اللجنة التي سبقتها عرضت علي المهندس أحمد عز، رئيس اللجنة حالياً، تقضي بضرورة اتباع توصيات البنك الدولي في إطار خطة إصلاحية كاملة للدولة أولها تطبيق موازنات برامج الأداء وهي توصيات وافقت عليها مجالس الوزراء السابقة لمجلس الوزراء الحالي.

وأوضح أن البنك الدولي سبق  ان انتقد الأداء المالي للحكومة المصرية علي أساس أن ما يعني تلك الحكومة عند إعداد الموازنات هو تحديد المدخلات والمخرجات دون النظر إلي المستوي القومي، مشيراً إلي أن المشكلة هي عدم نظر مجالس الوزراء المتلاحقة إلي جهود سابقتها.

ويضرب »سالم« مثالاً علي سوء إدارة الدين المحلي بضعف التمويل الدولي الذي تحصل عليه الوزارات باستثناء وزارة الكهرباء، وهو ما يفسره سالم بأن وزارة الكهرباء هي الوحيدة في الحكومة الحالية التي تطبق نظام موازنات برامج الأداء، مما كان يشجع مؤسسات التمويل الدولية علي منحها التمويل.

كما يؤكد أن أي توسع في الاقتراض الحكومي لا يمكن أن يصاحبه عدم مراعاة للصناعات المحلية بما يضعف الناتج القومي المقابل للتوسع في الاقتراض، ومن ثم الانفاق الحكومي، مدللاً علي ذلك بالأزمة السعرية التي لحقت بسوق حديد الصلب وما تبعها من إغراق للسوق بالحديد التركي بما لا يمثل أي إضافة تذكر علي الناتج المحلي الإجمالي.

ورغم ذلك يري مستشار وزير المالية، عضو البنك الدولي والبنك المركزي السابق، أن الخطوة التي اتخذتها الحكومة بتبسيط إجراءات إصدار السندات بالنسبة للهيئة هي خطوة جيدة من المفترض أن تؤهل الهيئة الحكومية لكيفية الاعتماد علي نفسها في التمويل. لكنه حذر من ضرورة تعامل الجهات المتعاملة داخل سوق السندات، خاصة البنوك التي ستدير طرح سندات الهيئات الحكومية وطالبها بتوخي الحذر والمتابعة المستمرة لأوجه إنفاق عوائد الطرح دون الاعتماد علي الضمان الحكومي.

وأشار إلي أن البنوك التي ستدير تلك السندات ليست سوي أمين استثمار لابد أن يتأكد من أن تكلفة التمويل مشتقة من عائد حقيقي، فضلاً عن ان التأكد من أن التدفقات النقدية لأوجه استثمار عوائد تلك السندات لابد ان تكون لمشروعات إنتاجية تتمكن من تغطية أعباء الدين وسداد أصله.

كما طالب بضرورة اعطاء مزيد من المرونة للهيئة الخدمية والجامعات، محذرا مرة أخري من أن كل إنفاق حكومي بالاقتراض دون التأكد من السداد سيتحول إلي انفاق تضخمي مذكراً بالطفرة التي حدثت في أسعار السلع والخدمات بشكل مفاجئ بعد اقرار الحكومة رفعاً نسبياً لأجور العاملين في الدولة في مايو 2008.

وعقب تمكن وزارة الاستثمار من تعديل قانون السندات أعلنت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة عزمها إصدار سندات بقيمة 10 مليارات جنيه.

وقال البنك التجاري الدولي إنه سيدير هذا الإصدار لصالح الهيئة، بينما قال تقرير وزارة المالية بالنسبة لأرصدة الدين المحلي في الفترة من يوليو وحتي نهاية سبتمبر الماضي إن مدفوعات خدمة الدين المحلي لأجهزة الموازنة العامة للدولة خلال الربع الأول من عام 2009/2010 ارتفعت لأكثر من الضعف لتصل إلي %21.8 جنيه، وهو ما نتج عنه ارتفاع قيمة الفوائد المحلية المسددة بنسبة %67 إلي 17.7 مليار جنيه خلال الفترة نفسها. وكذلك ارتفاع قيمة القروض المحلية المسددة إلي 4.1 مليار جنيه مقابل 35.5 مليون جنيه خلال الربع الأول من عام 2008/2009.

وقال عبد الرحمن بركة، وكيل اللجنة الاقتصادية في مجلس الشعب، العضو المنتدب السابق لبنك »بلوم«، إن الحكومة في سنة من السنين وصلت بالدين العام إلي ما يتخطي %80 من الناتج المحلي الإجمالي، فيما أن تلك النسبة تنحصر حاليا عند ما لا يزيد علي %44 »وهو ما يدلل علي حسن إدارة الدين العام« - وفق قوله.

كما أن تلك النسبة تعكس، من وجهة نظره، وجود زيادة ملحوظة في الناتج المحلي الإجمالي للدولة بما لا يمثل أي خطورة علي الدين المحلي.

ويضيف وكيل اللجنة الاقتصادية في مجلس الشعب أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتبسيط إجراءات إصدار السندات لصالح الهيئات الحكومية وشبه الحكومية صاحبها تأكيد علي ضرورة متابعة وحسن استخدام التمويل بالشكل الذي ينعكس علي الناتج المحلي الإجمالي بما يساهم بدوره في تقليل أعباء خدمة الدين المحلي.

وأوضح أن أي هيئة من الهيئات الحكومية لن تلجأ إلي اصدار سندات وتلقي عليها إقبالا إلا بعد تقديم ايضاحات تعكس حجم الدخل المحتمل، حتي تصبح قادرة علي تغطية تلك السندات، وهو ما يراه بركة أفضل من اللجوء إلي القطاع المصرفي بشكل مباشر للحصول علي التمويل من حيث التكلفة.

لكن عبدالرحمن بركة، اتفق مع الدكتور أحمد سالم، في التشديد علي وجود وعي لدي المسئولين عن الهيئات التي ستصدر سندات أو لدي البنوك التي ستقوم بإدارة طرح السندات.

وجاءت تعديلات اللائحة التنفيذية للقانون 95 لسنة 1992 بهدف تيسير إجراءات إصدار السندات بالنسبة للشركات لتتوافق مع الممارسات الدولية في هذا المجال خصوصاً الاصدارات المتوسطة وطويلة الأجل.

فالقواعد السابقة كانت تتسم بالتعقيد، بينما حافظت التعديلات الجديدة علي مستوي مرتفع من إفصاح الشركات والجهات الاعتبارية المقترضة عن تدفقاتها النقدية ونسب السيولة والربحية المتوقعة.

ووجهت انتقادات للقطاع المصرفي بعد أن توسع الأخير في الاستثمار بأدوات الدين الحكومية من سندات وأذون خزانة علي حساب التمويل الاستثماري، بينما قالت وزارة المالية في التقرير الذي يرصد أداء الموازنة العامة خلال الأشهر الأربعة الأولي من العام المالي الحالي إنها نجحت في تخفيض نسبة إجمالي الدين إلي الناتج المحلي بشكل تراكمي يصل إلي 40 نقطة مئوية خلال السنوات الأربع الماضية بعد أن استفادت من انخفاض متوسط سعر الفائدة المستحق علي أذون وسندات الخزانة ليصبح %10.5 خلال الربع الأول من العام 2010/2009 بدلا من %11 خلال العام المالي 2009/2008.
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة