اقتصاد وأسواق

إنقاذ اقتصادات «الربيع العربى» يحتاج إلى «خطة مارشال» جديدة


إعداد ـ خالد بدر الدين

تحولت نشوة الثورات فى العالم العربى الى خيبة أمل واضحة حيث أصبحت تونس ومصر وليبيا محاصرة بانعدام اليقين وعدم الاستقرار الذى جمد الانتعاش الاقتصادى، مما أكد أن بناء الديمقراطيات العربية ذات الاقتصادات المفتوحة بات أصعب بكثير، مما كان متوقعا لعدم وجود نمو أو فرص عمل فى البلدان الثلاثة.

 
وذكرت وكالة بلومبرج أن دول الربيع العربى تحتاج الى ما يشبه خطة مارشال التى قدمتها الحكومة الأمريكية لإنقاذ أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية التى كبدتها خسائر فادحة لدرجة أن جورج مارشال أعلن فى كلمة له بجامعة هارفارد أن إعادة تأهيل البنية الاقتصادية فى أوروبا سوف يتطلب وقتا وجهدا أكبر مما كان متوقعا، واقترح ما أصبح يعرف باسم خطة مارشال التى دونها سينتشر الجوع والفقر واليأس والفوضى كما يتوقع الكثيرون الآن أن يحدث فى الدول التى تخلصت من أنظمتها الفاسدة.

وأدى عدم نجاح ثورات الربيع العربى بعد مرور عامين الى التخلى عن الميدان للإسلاميين المتطرفين الذين يرفضون الحداثة، مما ينذر بالوقوع مرة أخرى فى نظم المحسوبية الفاسدة للدولة التى خاطر الكثير من الناس بحياتهم للتخلص منها ولكن فشل الديمقراطية فى الشرق الأوسط ليس من الضرورى أن يؤدى الى انتشار الدول الفاشلة أو الإسلام «الراديكالى» لأن ما تحتاج اليه شعوب هذه الدول بذل جهد أكبر وأكثر تركيزا مع ترك الوقت اللازم للحكومة الحالية لتنفذ سياستها الاقتصادية حتى لا تبرر فشلها بالمظاهرات والاحتجاجات العنيفة.

وكان مارشال يطالب بدعم أوروبا الغربية لمواجهة التهديد الذى يشكله الاتحاد السوفييتى، كما أن أحداث اليوم فى سوريا ومالى والحرب المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران تدل على وجود ضرورة مماثلة لتحقيق الاستقرار فى شمال أفريقيا، لاسيما أن المبتدئين فى تونس ومصر وليبيا بحاجة الى الاعتقاد بأن التنمية الاقتصادية التى وعد بها أكثر الأحزاب السياسية المعتدلة سواء الإسلامية أو العلمانية لن تتحقق إلا بعد منحها الفرص الكافية لتنفيذ سياستها التى تعهدت بها.

واذا كانت بلدان الربيع العربى حصلت على مساعدات مالية غير أنها ضئيلة وأقل بكثير من المبالغ التى تعهدت بها مجموعة الثمانى ودول الخليج فى دوفيل بفرنسا فى مايو 2011 والتى بلغت 70 مليار دولار مع 38 مليارا من المؤسسات الدولية و32 مليارا من الدول المانحة، وإن كانت تلك المبالغ تشكل نسبة صغيرة من التى جاءت فى خطة مارشال والتى بلغت 740 مليار دولار.

ورغم أنه ليست كل دول شمال أفريقيا تحتاج الى هذه المبالغ الضخمة لأن ليبيا مثلا لديها عائدات كبيرة من البترول والغاز، فإنها فى حاجة شديدة الى المساعدات الخارجية، وإن كانت حالة الاقتصاد العالمى أيضا تجعل الدول المانحة غير قادرة على منح أموالها التى تحتاج اليها لإنقاذ نفسها من ديونها السيادية الهائلة.

وأدت مزاعم دوفيل المزيفة الى رفع توقعات غير واقعية فى دول الربيع العربى، مما ساعد على تزايد شعورها بخيبة الأمل لأن الدول المانحة فى دوفيل حتى بعد الضغط عليها فى أكتوبر الماضى لم تفعل سوى إنشاء صندوق التحول بقيمة 165 مليون دولار والتى ارتفعت فى وقت لاحق الى 250 مليونا فقط، كما أن هذا الصندوق أضاف للدول الثلاث المغرب والأردن، ويبلغ مجموع السكان فى الخمس دول حوالى 140 مليون نسمة.

ومع أن المنظمات الدولية مثل البنك الدولى تؤدى دورها، لكنها ليست كافية وهناك حاجة الى دوفيل الذى يقدم خطة قوية تشبه خطة مارشال من أجل الاستثمارات والضمانات التجارية وغيرها من الصكوك لتشجيع الاستثمار ومشروعات البنية التحتية المطلوبة لتوفير فرص العمل وتعزيز النمو الاقتصادى.

ويجب أن تستهدف الخطة أيضا تقوية التجارة الإقليمية التى تجمدت عند مستويات منخفضة من التجارة عبر الحدود داخل أفريقيا الشمالية والتى لا تزيد على %4 فقط من إجمالى التجارة العالمية، وذلك بسبب جنون العظمة لدى الطغاة الذين سقط معظمهم الآن، الأمر الذى يتطلب التوصل الى تنظيم جديد لدول أفريقيا الشمالية مع معالجة التكامل الاقتصادى فيما بينها.

ويمكن أن تساعد أيضا استثمارات دوفيل فى تشجيع وتنسيق قوانين الاستثمار عبر الحدود والاتفاقيات التجارية الثنائية، لاسيما أن الحكومات فى تونس والقاهرة وطرابلس لم تعتمد بعد قوانينها الاستثمارية الخاصة ومع ذلك فمن الممكن وضع الأهداف المشتركة لتحقيق ذلك.

ومن المشروعات الحالية تحسين طرق المواصلات وشبكات الطاقة وخلق القدرة على تصدير الطاقة ليس فقط للدول العربية فيما بينها ولكن أيضا لأوروبا، ويتعين على الاتحاد الأوروبى الإسراع بخطة الطاقة الشمسية بين دول البحر المتوسط والتى تهدف الى بناء 20 ألف ميجاوات من الطاقة الشمسية فى شمال أفريقيا بحلول عام 2020.

وتساعد خطة مارشال الجديدة دولا فى الشرق الأوسط مثل مالى وسوريا كما فعل الاتحاد الأوروبى عام 1989 مع دول وسط وشرق أوروبا التى تخلصت من الحكومات الشيوعية، وإن كان المطلوب فى شمال أفريقيا نسبة صغيرة من الالتزامات التى دفعها الاتحاد الأوروبى فى ذلك الوقت، ومع ذلك يجب دعم الديمقراطيات لتحقيق الاستقرار فى شمال أفريقيا لأنها ستدعم الاقتصاد العالمى.

ويواجه الاقتصاد المصرى تحديات هائلة منها حالة الركود والنمو البطىء وعجز ميزانية كبيرة وانخفاض احتياطى العملات الأجنبية واتساع الفجوة فى ميزان المدفوعات وتعرض الجنيه المصرى لضغوط مكثفة وانزلاق نسبة كبيرة من الناس تحت خط الفقر وغرق المزيد فى هاوية الفقر التى باتت أكثر عمقا من أى وقت مضى.

وأدت كل هذه الظروف السيئة الى خفض درجة تصنيف مصر الائتمانى طويل الأجل الشهر الماضى من قبل مؤسسة ستاندرد آند بورز الأمريكية علاوة على أن تعميق الاضطرابات السياسية تقوض الجهود المبذولة لدعم الاقتصاد والمالية العامة خاصة أن الحكومة والمعارضة لا تحاولان إيجاد حل.

ويبدو أنه لا يمكن انقاذ الاقتصاد المصرى الآن إلا بمعجزة لأن المستقبل المظلم هو الذى يواجه مصر الآن، حيث إن برنامج النهضة الذى روج له حزب الحرية والعدالة على أنه فى طريق الانتعاش والازدهار بعد الانتخابات الرئاسية فى مايو ويونيو من عام 2012 اختفى فى ا لهواء ولا يظهر سوى النمو المنخفض والبطالة المرتفعة والفقر المتزايد.

وارتفع الناتج المحلى الإجمالى فى مصر أقل من %2 فقط فى عام 2012 بينما زادت البطالة فى البيانات الرسمية الى %13 فى العام نفسه وهو ما يعادل 3.6 مليون شخص عاطل عن العمل، وترتفع الى نحو %25 للفئة العمرية من 29-15 سنة وتشكل قنبلة موقوتة اجتماعيا واقتصاديا.

ويبلغ معدل الاستثمار فى مصر أقل من %17 من الناتج المحلى الإجمالى وهو صغير جدا مقارنة بـ%40-30 أو أكثر فى دول شرق وجنوب شرق آسيا وهذا هو السبب فى الحرص للحصول على 4.8 مليار دولار قرضا من صندوق النقد الدولى، وإن كانت الحكومة تأخرت فى الشهر الماضى لأسباب سياسية واتفاق صندوق النقد الدولى سوف يساعد على تقديم التدفقات النقدية اللازمة فى الميزانية، وسيوفر أيضا نوعا من الشهادة لطمأنة المستثمرين بأن الحكومة لديها سياسات مالية ونقدية سليمة ومطلوبة للتعامل مع العجز فى الميزانية والدين العام.

وتتطلب إدارة هذه المستويات المرتفعة من الديون الانضباط المالى والتعامل مع مشكلة مزمنة من الإعانات التى يستفيد منها للأسف ما يزيد على %20 من فئات الدخل، وابتلاع حوالى %32 من الانفاق العام يشكل عقبة رئيسية فى معالجة الأزمة الاقتصادية فى مصر.

وهناك أيضا أزمة سياسية بسبب الاستقطاب الحاد فى المجتمع المصرى بين الإسلاميين والعلمانيين، حيث تآكلت مصداقية الإخوان عند الشعب الذى أدرك أنهم سعوا للاستيلاء على السلطة من خلال السيطرة على كل المؤسسات فى مصر التنفيذية والتشريعية والقضائية، رغم أن كثيرا من المصريين كانوا يعتقدون أن البلاد لن تنزلق مرة أخرى الى نظام الحزب الواحد الذى بات من الماضى.

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة