اقتصاد وأسواق

المصريون يفضلون سيطرة الدولة علي الاقتصاد بدلاً‮ ‬من السوق الحرة


مني كمال
 
يسمح ضعف الحوكمة وعدم الشفافية بتفشي الفساد، ومن ثم فالبحث المتعمق لمعرفة أين وكيف يقع الفساد، وما المعاملات التي تسمح بالرشوة يمكن أن يساعد المصلحون سواء من جانب الحكومة أو من قطاع الأعمال علي توجيه جهودهم نحو مراقبة تلك التعاملات لمكافحة الفساد والوقوف علي أسبابه.

 
وقد رصد المسح الذي أجراه مركز الدراسات الدولية  الـCIPE بالتعاون مع مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بتمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تحت عنوان: »مدركات المواطنين المصريين حول الشفافية والفساد«، عدداً من المشاكل التي يري المجتمع ضرورة أن تكون لها أولوية المعالجة من قبل الحكومة، كذلك الرؤي حول الوضع الاقتصادي لمصر وأسباب انتشار الفساد ومظاهره والمؤسسات التي تقوم بأدوار مؤثرة في محاربته، حيث من المنتظر أن يعتمد مشروع الـCIPE المعني بتقديم المعونة الفنية لزيادة الوعي بالفساد وأثره المدمر علي الاقتصاد، علي أن تتم الاستعانة بنتائج هذا المسح في تنفيذ برنامج متكامل لزيادة الوعي بممارسات الفساد والتوصية بتغيير بعض السياسات التي من شأنها الحد من مخاطره، حيث من المقرر إطلاق البرنامج بعد إصدار التقرير النهائي في الربع الأول من العام الحالي.
 
ولعل أبرز المؤشرات التي اجري المسح عليها قيامها المتعلق ببعض التوجهات الأيديولوجية الاقتصادية، حيث إنه وبالرغم من المجهودات التي تقوم بها الحكومة لتهيئة المناخ الاقتصادي ليمسك القطاع الخاص بزمامه، فقد فضل %62 من الذين شملهم المسح فيما يتعلق بالنظام الاقتصادي الأفضل لمصر، أن يكون نظاماً اقتصادياً مبنياً علي دور أكبر للدولة وللقطاع العام وهو ما يشير إلي أنه بعد أكثر من 30 عاماً من بدء تغيير اتجاه الاقتصاد نحو اقتصاد السوق، فإن معظم المصريين مازالوا يفضلون النموذج الاقتصادي الذي يكون فيه للدولة وللقطاع العام الدور الأكبر، ولعل ذلك كما يري الباحثون راجعاً إما لفشل في تطبيق التحول إلي اقتصاد السوق أو لفشل مجموعات اتخاذ القرار في الدعاية لاختياراتها الاقتصادية بين المواطنين، أو لكلا السببين.
 
يؤكد أيضاً من ضعف آليات الحكومة تطبيق التحول إلي اقتصاد السوق رؤية %30 فقط أن النظام الاقتصادي الأفضل يقوم فيه القطاع الخاص بالدور الرئيسي، بينما %9من المعتدلين رأوا أن أفضل الأنظمة الاقتصادية لمصر هو النظام الذي يقوم فيه القطاع الخاص بالدور الرئيسي مع تشديد دور الدولة في التنظيم والرقابة وتطبيق القانون.
 
وفي إطارمزيد من استقصاء الايديولوجيات الاقتصادية الراهنة، برزت أهمية التطرق إلي المؤشر الخاص بالانفتاح علي العالم الخارجي، وهو ما يطرح تساؤلاً هل من الأفضل لمصر الانفتاح اقتصادياً علي العالم الخارجي، أم المحافظة علي المستوي الراهن، أم تقليل انفتاحها علي العالم الخارجي؟
 
واقع الأمر أن هناك ارتباطاً بين نظام اقتصاد السوق بالانفتاح علي العالم الخارجي كمصدر للسلع والخدمات والشراكات التجارية والاستثمارية، وهو التوجه الذي تتبعه الحكومة الراهنة، فإن الانفتاح يرتبط أيضاً بالنظام التعليمي والثقافة السائدة بين المواطنين وموقفهم من اعتبار هذا الانفتاح مصدراً للتهديد الاقتصادي والسياسي ويعكس موقف العينة المسحية في هذا المجال رؤية أكثر انفتاحاً علي العالم، حيث رأي %41 منهم ضرورة الانفتاح بشكل أكبر، بينما فضل %46 الإبقاء علي المستوي الحالي من الانفتاح واختار %13فقط الخيار الخاص بالاتجاه نحو تقليل الانفتاح الاقتصادي علي العالم الخارجي.
 
وعكست النتائج الخاصة بالمؤشر الخاص بالنموذج الاقتصادي الذي يجب علي الحكومة اتخاذه كنموذج ميلاً شديد التحفظ، حيث فضلت النسبة الأكثر نموذجاً المملكة العربية السعودية بديلاً عن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا واليابان والصين وكوريا الشمالية والجنوبية وماليزيا وتركيا والإمارات وغيرها وقد يرجع ذلك كما رأي الباحثون إلي ارتفاع نسبة عدد المصريين المسافرين إلي السعودية مقارنة بالدول الأخري.
 
وأظهرت نتائج المسح الميداني أن %90 يعتقدون أن السبب الرئيسي في انتشار الفساد وطلب الرشوة، هو تدني الأجور والرواتب بينما رأي أكثر من %70 أن أحد الأسباب وراء تفشي الفساد هو ضعف المشاركة السياسية إلي جانب الأسباب الخاصة بتضارب وتعدد القوانين والاختصاصات ونقص المعلومات الصحيحة، وعدم قيام مجلس الشعب بجهد كاف لمراقبة الحكومة وضعف أداء الأجهزة الرقابية.
 
وأوضح المسح أن تعريف المواطنين لمعني الفساد يختلف تماماً عن المعني المتعارف عليه، وهو سوء استخدام السلطة لتحقيق المنفعة الشخصية حيث عبر الجميع عن مفهوم الفساد بمصطلحات مثل »الفقر« و»عدم المساواة الاجتماعية« وهو ما يدلل علي تركيز المواطنين علي القضايا الاقتصادية، وتتراوح تقديرات المواطنين حول مدي الممارسات غير القانونية في مختلف الإدارات الحكومية، حيث يعتقد %20 أن الفساد موجود بالقطاع العام بوجه عام، بينما أشار البعض إلي وجود الفساد بإدارات حكومية بعينها مثل قطاع الرعاية الصحية والشرطة والمرور والتعليم والإدارات المحلية وإدارات وتحركات الحكومة ووزارة المالية والمعاشات والبنوك ومجلس الشعب وأخيراً المرافق العامة.
 
وفيما يتعلق بمكافحة الفساد تتجه البيانات نحو انعدام الثقة في المؤسسات المكلفة بذلك، ففي الوقت الذي رأي فيه نحو %29، أن المؤسسات الدينية تلعب دوراً أكبر في مكافحة الفساد، نجد المؤسسات الرسمية التي تم إنشاؤها لمكافحة الفساد لا تتمتع بنفس الثقة، إضافة إلي انخفاض الثقة في قدرة الهيئات غير الحكومية والأحزاب السياسية في مكافحة الفساد.
 
ورصد المسح أهم المشاكل التي تواجه مصر وأولويات معالجتها من قبل الحكومة، حيث استحوذت البطالة علي %38 وارتفاع الأسعار %27.7 وقلة الدخل %6.4 وعدم التأمين الصحي %4.9 وأزمة الإسكان %8.3 واعتبر نحو %81 من أفراد العينة هذه المشاكل الخمسة أهم المشاكل التي تواجه مصر وبالتالي المواطن العادي.
 
ورأي المجلس الاستشاري لبرنامج مركز المشروعات الدولية الخاص في مصر ضرورة الاستفادة من هذه النتائج في تحسين البيئة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المحيطة بقطاع الأعمال وأهمية التعامل الفعال مع الظواهر السلبية التي كشف عنها الاستبيان وتحرك صانعي القرار ومنظمات الأعمال لتوفير بيئة مواتية عند رسم السياسات.

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة