اقتصاد وأسواق

الاقتصادات الآسيوية الناشئة‮.. ‬حائرة بين زيادة الاستهلاك أو الاستثمار


خالد بدر الدين
 
بينما يطالب الخبراء حكومات الاقتصادات الناشئة الآسيوية بالتحول من التصدير والاستثمار إلي الاستهلاك، سجلت الاستثمارات الآسيوية تراجعاً من %36 من الناتج المحلي الإجمالي باستثناء الصين والهند عام 1995 إلي أقل من %24 مع نهاية العام الماضي، كما انخفضت مدخرات سكان هذه الاقتصادات من %36 تقريباً إلي حوالي %33 خلال الفترة نفسها.

 
وجاء في تقرير مجلة إيكونومست الصادرة مؤخراً، أن فوائض الحساب الحالي في آسيا السبب الرئيسي وراءالأزمة المالية العالمية نتيجة التدفقات الضخمة من رؤوس الأموال الأجنبية التي ساعدت علي انفجار فقاعة العقارات الأمريكية ووقوع أزمة الائتمان مما يجعل العديد من الاقتصاديين في دول الغرب يؤكدون ضرورة زيادة الاستهلاك في الدول الآسيوية والابتعاد عن التوفير والادخار أو حتي الاستثمار.
 
ولكن في  كتاب »آسيا القادمة« الذي نشره مؤخراً »ستيفن روتش« رئيس فرع بنك مورجان ستانلي في آسيا، بعد إجراء تحليلات دقيقة تكشف أن الاستثمارات في معظم الاقتصادات الآسيوية أقل بكثير من الاستهلاك، حيث تراجع الاستهلاك في الاقتصادات الآسيوية الناشئة من %65 من ناتجها المحلي الإجمالي عام 1980 إلي حوالي %47 عام 2009 لأن الاستهلاك الأمريكي مثلاً يبلغ أكثر من %70 من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية.
 
ويري ستيفن روتش أن حلم »القرن الآسيوي« أو سيادة الدول الآسيوية علي العالم خلال القرن الحالي لن يتحقق ما لم يتحول النمو بقيادة الصادرات إلي الاعتماد علي الاستهلاك الخاص الذي تراجع مثلاً في الصين إلي %35 فقط من ناتجها المحلي الإجمالي عام 2009 أو ما يعادل نصف الاستهلاك الخاص الأمريكي.

 
وفيما يتعلق بباقي الدول الآسيوية، فإنه ومن واقع تعريف فائض الحساب الجاري لأي بلد والذي يعادل المدخرات المحلية مطروحاً منها استثمارها المحلي يتضح أن الاقتصادات الآسيوية يمكنها تقليص فوائضها بتقليل المدخرات بما يعني زيادة الاستهلاك أو بتقوية الاستثمارات.

 
ويعتمد أسلوب خفض المدخرات أو زيادة الاستثمارات علي أسباب تضخم هذه الفوائض خلال العقد الماضي، والتي تعود في الصين مثلاً إلي تزايد المدخرات التي قفزت بمعدلات أسرع من معدلات استثماراتها بينما ارتفعت مدخرات الهنود بالتدريج، ولكن استثماراتها قفزت بسرعة مما جعلها تعاني من عجز مستمر في حسابها الجاري.

 
أما في باقي الأسواق الناشئة الآسيوية الصغري، فإن مدخرات شعوبها تراجعت أو لم تتغير كنسبة من ناتجها المحلي الإجمالي.

 
ويكمن السبب الرئيسي في تضخم فوائض الحساب الجاري لهذه الدول إلي تدهور الاستثمارات عقب الأزمة الآسيوية عام 1998-1997، التي لم تستعد عافيتها منها حتي الأن كما تؤكد بيانات ماليزيا مثلاً التي انهار معدل استثماراتها من %44 من ناتجها المحلي الإجمالي عام 1996 إلي %19 فقط في العام الماضي، وتايلاند التي تراجعت استثماراتها من %41 إلي %21 خلال الفترة نفسها.

 
والزعم بأن استهلاك الآسيويين منخفض غير صحيح - أيضاً - كما تقول دراسة قام بها خبير التسويق »ايزوار براساد« بجامعة كورنيل الأمريكية، التي تؤكد أن الاستهلاك الخاص يعادل %58 من الناتج المحلي الإجمالي لدول آسيا الناشئة باستثناء الصين وهي نسبة تقل عن مثيلتها في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها أعلي من الاستهلاك الخاص الياباني أو استهلاك شعوب دول الاتحاد الأوروبي، وخلال الفترة من عام 2002 وحتي عام 2009 كانت الاستثمارات تحقق %50 من نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني بينما كان الاستهلاك يقل عن ثلث نمو ناتجها المحلي الإجمالي لكن العكس كان صحيحاً تقريباً في باقي الاقتصادات الناشئة حيث كان الاستهلاك هو المصدر الرئيسي للنمو.

 
وفي تقريرجديد كتبه فريق الاقتصاد الآسيوي في بنك »باركليز كابيتال« تبين أن الاقتصادات الآسيوية عليها أن تستثمر أكثر وأكثر بدلاً من زيادة الاستهلاك حتي تخفف من استثماراتها المبالغ فيها لأن زيادة الاستثمارات، لا سيما في البنية الأساسية لن تقلل فوائض الحساب الجاري، وإنما تدفع أيضاً عجلة النمو وترفع مستويات المعيشة.

 
وتحسين شبكات الطرق والمواصلات والسكك الحديدية يساعد المزارعين علي توصيل منتجاتهم بسهولة إلي مراكز الاستهلاك، ومساعدة المصانع علي تصدير منتجاتها كما أن توفير المياه النقية والصرف الصحي يزيد من جودة الموارد البشرية بما يدفع إنتاجية العامل.

 
ومن المؤكد أن الاستثمارات في الاقتصادات الآسيوية الصغيرة منخفضة، ولكن هل يعني أنها منخفضة فعلاً أكثر من اللازم؟

 
رغم أن هذه الاقتصادات استثمرت مبالغ ضخمة في التسعينيات كان الهدف من السياسة الاقتصادية تعظيم رفاهية السكان وزيادة استهلاكهم بمرور الوقت لكن الاستهلاك المبالغ فيه في الوقت الحالي سيؤدي إلي زيادة فقر الجيل المقبل، لأنه إذا كان الاستثمار والادخار بدرجة مرتفعة يجعل أي دولة تضحي بالاستهلاك الحالي لكن الإنتاج والاستهلاك سيزيدان في المستقبل أكثر وأكثر.

 
ويقاس أفضل مستوي للاستثمار بالمعدل الذي يولد أعلي مستوي ثابت للاستهلاك علي مدار السنين ويعتمد بدوره علي الناتج الهامشي لرأس المال أو حجم الإنتاج الذي يتحقق من الاستثمارات الجديدة وكلما ارتفع هذا الإنتاج، تطلب زيادة الاستثمارات.

 
ورغم أن حساب الناتج الهامش لرأس المال صعب للغاية وهو أعلي في الاقتصادات الناشئة عنه في الاقتصادات المتقدمة لأن رؤوس الأموال فيها أصغر بكثير من القوي العاملة فيها كما يقول يوا هيدريك وانج، الاستشاري الاقتصادي بمؤسسة »ماستر كارد« الذي يؤكد أن رصيد رأس المال لكل شخص في الصين والهند واندونيسيا وتايلاند يبلغ ما بين %2 و%6 فقط من نظيره في الولايات المتحدة الأمريكية بما يعني أن هناك مجالاً واسعاً لزيادة الإنتاجية بمنح العمال ماكينات جديدة وبنية أساسية فقط.

 
ولذلك فإن أفضل معدل للاستثمار في دول الاقتصادات الناشئة سيكون أعلي بكثير مما هو في الاقتصادات المتقدمة، وقد يبرر ارتفاع معدل الاستثمار في الصين إلي أكثر من %45 من ناتجها المحلي الإجمالي، غير أن معدل الاستثمار في تايوان وماليزيا والفلبين وتايلاند أقل بكثير مما هو في اليابان أو في منطقة اليورو فيما يتعلق بالنسبة لناتجها المحلي الإجمالي مما يساعد في تغيير تباطؤ معدلات النمو في هذه الدول الآسيوية خلال العقد الماضي حيث وجد »يوا هيدريك وانج«، أن دول الأسواق الناشئة التي استثمرت حصة أكبر من ناتجها المحلي الإجمالي حققت معدلات نمو أعلي.

 
وهناك استثمارات أعلي في الدول الأكثر تقدماً مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة لأن معدل الاستثمار ونسبة رأس المال إلي العمالة أعلي نسبياً، وإن كان معدل الاستثمار في اندونيسيا يبدو ضعيفاً حيث يعادل %27 من ناتجها المحلي الإجمالي.

 
ويؤكد بنك باركليز كابيتال ضرورة رفع هذا المعدل إلي %38 ليصل إلي مستوي نظيره في الهند إذا أرادت أن تحقق معدل نمو %8 وكذلك الفلبين التي ربما تعاني من أسوأ بنية أساسية في المنطقة والتي لا يزيد استثمارها علي %15 من ناتجها المحلي الإجمالي ورغم أن الفلبين تحظي بأعلي معدل استهلاك بين الأسواق الناشئة حيث قفز إلي حوالي %80 من ناتجها المحلي الإجمالي لكنها تعاني من أدني معدل نمو إذا كان الاستهلاك المرتفع يناسب دول الغرب فإن زيادة الاستثمارات تحقق مصالح آسيا علي المدي الطويل.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة