اقتصاد وأسواق

الريح‮ .. ‬والبلاط بعد رحيل قاطع الأرحام عادت أفريقيا


نجحت الدبلوماسية الشعبية التي قاد خطاها بعلاقاته الجيدة والقديمة بالقارة الأفريقية، الصديق النائب السابق »مصطفي الجندي« فيما فشلت فيه خارجية حسني مبارك، وسياسته الأفريقية، وهي سياسة كانت لا تري أبعد من قدميها ضمن تصور سياسي مريض وفاسد يري أن كل الدنيا عليها أن تلتمس رضا القاهرة، وأن القاهرة ليس عليها أن تلتمس ود أحد، مع أنه يعلم أن القاهرة في عهده تقزمت إلي درجة »بوركينا فاسو«، وأقل بسبب تفرغه الكامل - بتعليمات الهانم - لتوريث العرش المصري الملكي للمحروس ابنه »جمال«، وهي الفكرة التي »غرقت« بهم جميعًا، بسبب الرفض المصري الكامل للرئيس الوالد بعد التجربة، فما بالك بالوريث، وذلك طبقًا لموروث مصري فلاحي يقول: كفاية من »الدِست« مغرفة، أي أن »مغرفة« واحدة من حلّة الطعام تكفيك لتعرف المطبوخ!

ولقد جاء اختيار مصطفي الجندي »صاحب الأبواب الأفريقية المفتوحة«، رائعًا بتشكيلة أعضاء الوفد المرافق له من كل أطياف المصريين من عشاق النيل والقارة التي ترتبط بعشقها حياتهم حتي خلال الفترة الطويلة، التي أغلق فيها مبارك كل أبواب القاهرة عليه وأفراد الأسرة الملكية منذ قرر اعتبار كل جنيه يرد إلي الميزانية المصرية حقاً خاصاً له وللأسرة يصرف منه كما يشاء بعد أن يحّول إيرادات قناة السويس الصعبة كاملة إلي حسابه في الخارج مع ما يتيسر من عمولات أي مشروع يأتي به المستثمرون إلي مصر، وهو ما يحاسبون عليه هذه الأيام!

ولقد أسعدت نتائج »بعثة الجندي« ومرافقيه إلي إثيوبيا وغيرها كل المصريين، وهو ما سوف يدفع إلي المزيد من البعثات المثيلة لكسر كل الحواجز التي وضعها مبارك بين مصر والقارة الأم التي كان شوقها لعودة القاهرة - واجهة أفريقيا علي المتوسط - لا يقل عن شوق القاهرة إلي الحضن الأفريقي الذي طال هجرانه في »قطع رحم« تخصص فيه مبارك حتي مع أفراد أسرته الأقربين، بينما أعفي أفراد »أسرة الفاضلة« من ذلك الهجران!

ولعل أول بشائر الصلح المصري الإثيوبي جاء بسبب الانبهار الأفريقي بثورة 25 يناير التي أزاحت عن قلب أفريقيا وقلب القاهرة »هَمّ« مبارك قاطع الأرحام، حيث فتحت إثيوبيا قيادة وشعبًا أبواب كل قلوبها للوفد الشعبي القادم بالمحبة من عاصمة أفريقيا إلي الدرجة التي قرر فيها »زيناوي« وقف التوقيع علي معاهدة حوض النيل إلي أن تضبط الثورة المصرية أمور الوطن الذي يعاني الآن من فلول »مبارك والعادلي وأحمد عز«.. وآخرين بينهم السلفية!

ورغم أن أفريقيا قارة مشهورة بحرارة المناخ، لكن عبقرية مبارك وبطانته قد نجحت بطول التجاهل في »تجليد« العلاقة أي تحويلها إلي جليد بين القاهرة وكل عواصم أفريقيا بداية بالسودان الذي هو الظهر الحامي لمصر، وانتهاء بعاصمة جنوب أفريقيا التي لعبت معنا أدوارًا طيبة قبل أن يأتي مبارك، الذي لم يكن يري من أفريقيا غير »قمة جبل الجليد« تاركًا لأصدقائه الإسرائيليين »الجبل بما حمل« بل سمح لهم بتغلغل في القارة لم يكونوا يحلمون به، حيث استطاعوا بمعاونات هايفة مع ادعاء بالاهتمام الأمني، وإرسال مدربين مع تبشيريين أن يقطعوا كل الخيوط المصرية الأفريقية بهدوء لم تنتبه له القاهرة علي مدي ثلاثين عامًا، بسبب انشغال تلك القاهرة - وهي غير قاهرة اليوم - في أمور تخص »الملك والملكة وشئون الأمراء«، وكان يساعده في شئون الإسرائيليات تابعه الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري الذي شحن لإسرائيل بعلم الرئيس المصري كل يهود »الفلاشا« السودانيين دعمًا لسياسة الاستيطان الإسرائيلية التي جاءت علي حساب بيوت الفلسطينيين خلف الخط الأخضر، أي فلسطين التاريخية ومعها »القدس« التي حررها صلاح الدين عندما كان العرب عربًا لديهم »نخوة«، وكانت للأرض عندهم قيمة لا تقل أبدًا عن قيمة »العِرض«!
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة