سيـــاســة

البراجماتية السياسية تحكم موقف‮ »‬الإخوان‮«‬


 مجاهد مليجي
 
جاء الظهور المفاجئ للدكتور محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في هذا التوقيت الحرج في الحياة السياسية المصرية بمثابة موجة حراك ألقت حجرا في بحيرة الجمود السياسي التي أغرقت الساحة في مصر، وقد أحدث هذا الظهور نوعاً من الاستقطاب الحاد بين فريقين أحدهما رافض لوجود البرادعي ومقلل من أهميته، وهو الفريق الموالي للنظام، وفريق آخر يري في البرادعي الخلاص السياسي من حالة الموت البطئ الذي تعيشه الحياة السياسية المصرية.

 
ويدور التساؤل حول توجه الإخوان المسلمين الذين لم يبلوروا موقفاً واضحاً بعد من البرادعي سواء بالاصطفاف خلفه أو بتجنبه، أو اتخاذ موقف رافض له، الأمر الذي اعتبره البعض متوافقاً مع أسلوب »البراجماتية« التي عادة ما تتبعها الجماعة في مثل هذه المواقف، وذلك بأن تبقي قرارها لفترة من الزمن يكتنفه حالة من الغموض والميوعة تترك لمن يقرأه مساحة لتفسيره كما يشاء سواء بالسلب أو بالإيجاب، فهي تؤخر قرارها لآخر لحظة حتي تقتنص الفرصة المناسبة لإعلانه. الدكتور محمد سعد الكتاتني، عضو مكتب الإرشاد والمتحدث الإعلامي باسم الإخوان، رئيس الكتلة البرلمانية للجماعة، نفي أن يكون الإخوان براجماتيين، مؤكداً أنهم يولون مصلحة الأمة المصرية الأولوية علي مصلحة الجماعة ويقدمون من أموالهم وأنفسهم وحريتهم ثمناً لخدمة الإصلاح السياسي الشامل في مصر بغية الارتقاء بمستوي الوطن علي جميع الأصعدة. ووصف الكتاتني لقاءه الدكتور محمد البرادعي بأنه كان »جيداً ومثمراً«، وغلبت عليه روح التعارف بهدف مناقشة مواقف الرجل من القضايا الوطنية المطروحة علي الساحة والشأن العام المصري، وحالة الانسداد السياسي، والاستبداد والانهيار الاقتصادي والقيمي بالمجتمع، وتراجع الخدمات، وأن حضوره كان ممثلاً عن الإخوان استجابة لدعوة الدكتور البرادعي، ضمن عدد كبير من أعضاء النخبة الفكرية وممثلي الأطياف السياسية المختلفة.
 
وأشار المتحدث الإعلامي باسم الإخوان إلي صعوبة ترشح البرادعي للرئاسة لوجود المادة 76 ما يجعل الإعلان عن دعم البرادعي من عدمه أمراً سابقاً لأوانه، إلا أنه قال: لكننا نمد أيدينا لكل من يسعي لتخليص مصر من حالة الجمود السياسي الراهنة.
 
أوضح الدكتور جمال حشمت، القيادي الإخواني، عضو مجلس شوري الجماعة، أن الدكتور البرادعي سيبقي لفترة قصيرة ثم يغادر، ومسألة حسم موقف الإخوان منه تستلزم وجوداً دائماً له في مصر لكي يمارس عملاً سياسياً ملموساً يمكن الحكم علي أساسه علي من يقف معه ومن يقف ضده.
 
وأضاف »حشمت« أن الإخوان يرون أنه لن يسمح للرجل - طبقاً للدستور والقانون - أن يرشح نفسه، وسيكون أمر التصدي له من قبل النظام واضحاً ومطروحاً بقوة حيث إن النظام يقود معركة من أجل وجوده واستمراره ويسعي لجعل جميع الأمور تحت السيطرة ولا أدري ما يمكن أن يسببه وجود البرادعي من حراك حقيقي وهو أمر متروك للوقت. بينما يؤكد الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن الإخوان فصيل سياسي يسعي لكي يكون له دور في أي خطوات وبرامج اصلاحية ويسعون للتعاون مع الجميع بمن فيهم البرادعي، الامر لا يتوقف علي كونه براجماتية سياسية أو نفعية من عدمه، إذ يري الإخوان الامر أكبر من ذلك، مشيرا إلي انه من حق كل فصيل سياسي أن يسعي لتحقيق مصالحه، وليس ذلك أمراً معيباً في فقه العلوم السياسية بشرط ألا يكون ذلك علي حساب المصلحة الوطنية. بينما يؤكد نبيل زكي، عضو اللجنة المركزية لحزب التجمع، أن موقف الإخوان من دعم البرادعي من عدمه امر طبيعي ويتسق مع طبيعة الجماعة، مشيرا إلي أن الإخوان طوال تاريخهم - و حتي منذ أيام الملكية - تحكمهم البراجماتية السياسية، فقد كانوا يتحالفون مع الملك ضد الجماعة الوطنية، وكانوا يقدمون مصلحة الجماعة علي مصلحة مصر، وتحكمهم النظرة الضيقة للتنظيم علي حساب الوطن الأوسع، ولعل تجارب الإخوان مع بعض الاحزاب السياسية منها كالوفد والعمل خير دليل علي البراجماتية التي تسيطر علي جميع خطوات الجماعة.
 
وأكد الدكتور جهاد عودة، أستاذ العلوم السياسية، عضو لجنة السياسات بالحزب الوطني أن سلوك الإخوان الطبيعي هو البراجماتية وتحقيق مصالحهم الخاصة علي حساب حتي القوي السياسية المتحالفة معهم، ولعل تجربتهم مع الوفد خير مثال علي ذلك، مشيرا إلي أن حتي قدرة الدكتور البرادعي علي مجرد الترشح للرئاسة كما يردد البعض - رغم الاحترام الكامل لشخصه - أمر مشكوك في تحقيقه، بينما المؤكد من وجهة نظره أن الإخوان جماعة براجماتية بامتياز ولم يعلنوا موقفا واضحا تجاه البرادعي وتجاه انتخابات الرئاسة نفسها إذ إن لديهم عدداً من التصريحات المتضاربة في هذا الخصوص.
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة