اقتصاد وأسواق

تزايد صعوبة الاعتماد على المستهلكين كقاطرة للنمو فى الولايات المتحدة


إعداد - أيمن عزام
 
تظهر المؤشرات والبيانات الاقتصادية حقيقة أنه لا يصح الاعتماد على إنفاق المستهلكين لإنعاش الاقتصاد الأمريكى المنهك، حيث إن الصعود الطفيف للإنفاق فى أبريل و مايو وتراجعه فى مارس يخالف توقعات صدرت سابقا عن الاقتصاديين ترجح أن يكون إنفاق المستهلكين القاطرة المحركة للنمو الاقتصادى فى البلاد .

وكان محللون قد توقعوا أن يكون انتعاش النمو فى التوظيف اواخر العام الماضى هو بداية لتعاف اقتصادى مدعوم بالمستهلكين . وهيمنت نظرية تؤكد أن عودة الأمريكيين للعمل ستدفعهم لإنفاق المزيد من الأموال فى شراء جميع أنواع المنتجات والسلع مثل الملابس والإجازات والمنازل .

وقالوا إن ارتفاع الطلب على المنتجات والخدمات سيكون من شأنه دفع الشركات لتوظيف المزيد من العمالة مما يؤدى إلى إنفاق المزيد من الأموال وإلى النجاح، بالتالى فى تحقيق تعاف اقتصادى تشعر به الشركات والأسر على حد سواء .

وكان الاقتصاديون يتوقعون كذلك تراجع الدور الذى تقوم به قطاعات مثل التصنيع فى تحريك عجلة النشاط الاقتصادي، وعن انتقال مركز الثقل الاقتصادى إلى المستهلكين من هذا القطاع الذى ساهم فى تحفيز الاقتصاد خلال السنوات الأولى من التعافي .

لكن بحلول مطلع العام الحالى اتضحت صعوبة تطبيق هذه النظرية، فقد بدأ قطاع التصنيع يفقد زخمه كما تباطأت استثمارات الشركات وتراجع الإنفاق الحكومى بشدة ولاحت فى الأفق احتمالات تطبيق المزيد من الاستقطاعات فى الإنفاق .

وسار الانتقال بانسيابية فى البداية دون مشاكل تذكر، حيث انتعشت ثقة المستهلك التى تراجعت خلال صيف عام 2011 عندما هيمنت أخبار خفض التصنيف الائتمانى للبنوك والدول على مانشيتات الصحف العالمية، وتعافى النمو مسجلا خروجه لأول من دائرة الانكماش . وأوردت شركات بيع التجزئة تحقيقها مبيعات قوية خلال الإجازات، كما انتعشت مبيعات السيارات . وقامت الحكومة فى شهر ابريل بإصدار أول توقعاتها بشأن النمو الاقتصادى خلال الشهور الثلاثة الأولى من العام الحالى، حيث أكدت زيادة إجمالى الإنفاق وصولا لنسبة %2.9 ، وهو أسرع معدل يتم تسجيله منذ فترة تزيد على العامين، رغم ارتفاع اسعار البترول .

وبدأ النمو فى التوظيف يتبخر بداية من الربع الثانى من 2012 ، فبعد نجاح الاقتصاد فى إضافة ما يزيد على 250 ألف وظيفة شهريا فى الربع الأخير من 2011 لم يفلح أصحاب العمل إلا فى إضافة متوسط يقدر بنحو 100 ألف وظيفة خلال الربع الثاني . وأدى تباطؤ التوظيف إلى التأثير بالسلب على الإنفاق، حيث تراجعت مبيعات التجزئة لشهرين متتاليين، كما تراجع إجمالى إنفاق المستهلكين بشكل طفيف فى شهر مايو، وفقا للبيانات التى أوردتها وزارة التجارة الأمريكية مؤخرا، وهو أول تراجع يتم تسجيله خلال فترة تمتد لعام كامل . وتراجعت ثقة المستهلك فى شهر مايو لتصل لأدنى مستوياتها منذ شهر ديسمبر، ليتم بذلك فقدان جميع المكاسب التى تحققت سابقا .

ويرى بن كاسلمان من صحيفة وول ستريت أن الأرقام الضعيفة فى مايو ويونيو يمكن إرجاع سببها إلى معاناة الاقتصاد الأمريكى من مشكلة أعمق، هى أن التعافى فى طلب المستهلكين لم يكن قويا بما يكفى لتحقيق الانتعاش الاقتصادى المنشود، ففى شهر مايو أعلنت وزارة التجارة الأمريكية خفض تقديراتها بشأن النمو فى الإنفاق خلال الربع الأول من العام الحالى إلى %2.7 من %2.9. وتم فى الأسبوع الماضى إجراء تخفيض إضافى لتصل تقديراتها إلى %2.5 ، وعلى الرغم من أن هذه التقديرات لا تزال تمثل أسرع معدلات النمو منذ أواخر عام 2010 لكنها ليست مرتفعة بما يكفى لتعزيز التعافى واستكماله .

والأسوأ هو تسجيل تدنى معدلات النمو فى الإنفاق خلال الربع الأول رغم مرور البلاد بشتاء دافئ يفترض مساهمته فى تحسين الطلب على المطاعم وشركات بيع التجزئة، مما يعنى أن المستهلكين قد لحقت بهم اضرار حقيقية تعوق قدرتهم على زيادة الطلب، وتأكدت لاحقا هذه الحقيقة، فقد شهد شهر مارس تراجع الإنفاق المقدر بعد حساب معدلات التضخم، بينما حقق صعودا طفيفا فى ابريل ومايو . وتخالف هذه البيانات توقعات الاقتصاديين الذين كانوا يأملون تحسن الطلب جراء اكتساب المشترين المزيد من الثقة للحد الذى يسهم فى تعويض نواحى الضعف التى تعانى منها القطاعات الاقتصادية الأخرى . وأصبح يصعب لذلك التعويل على المستهلكين وقدرتهم على أن يكونوا هم القاطرة القادرة على تحريك النمو الاقتصادى فى البلاد بسبب تأثرهم بالعوامل التى تسببت فى إبطاء وتيرة نمو بقية القطاعات الاقتصادية مثل الأزمة فى أوروبا وحالة الحذر والتخوف التى أصابت الشركات داخل البلاد نتيجة هذه الأزمة .

وكانت كريس كريستوفر الخبيرة الاقتصادية لدى شركة جلوبال انسيت البحثية، قد وقعت فى شهر ابريل الماضى صعود إنفاق المستهلكين ليصل إلى %2.5 فى الربع الثاني، لكنها قامت حاليا بتخفيض توقعاتها لسالب %2 ، وبررت ذلك بأن الأمور لا تسير بالنسبة للمستهلكين على ما يرام .

ويرى كاسلمان أنه لا تزال توجد أسباب تدعو للتفاؤل، فأسعار الغاز قد تراجعت خلال الأسابيع القليلة الماضية، مما يعنى تحسين القدرة الشرائية للمستهلكين . كما سجلت معدلات البطالة تراجعا إلى %8.2 من %9 منذ عام رغم تباطؤ النمو فى خلق الوظائف . وكشفت سوق الإسكان كذلك عن علامات الاستقرار جراء زيادة اسعار المنازل، مما يسهم فى تحسن ثقة اصحاب المساكن وشعورهم بأنهم قد أصبحوا أكثر ثراء . وزادت من ناحية أخرى القدرة المالية للأسر خلال الربع الثانى مقارنة بجميع فترات التعافى السابقة .

ويلاحظ جوزيف لافرجانا الخبير الاقتصادى لدى دويتش بنك أن نسبة الأصول السائلة للأسر من الديون «أحد معايير القدرة المالية » قد سجلت بلوغها أعلى مستوياتها خلال عقد كامل . ويرى لافرجانا أن هذه النسبة تندرج ضمن المؤشرات طويلة الأجل الدالة التى تصب فى صالح المستهلك .

وتظل استدامة التعافى فى إنفاق المستهلك مرهونة بتحسن سوق العمل، فعلى الرغم من دخول الولايات المتحدة فى مرحلة التعافى منذ ثلاث سنوات لكن معدلات التوظيف فيها لا تزال تقل بنحو 5 ملايين شخص مقارنة بالمرحلة التى شهدت بدء الركود، كما لا يزال نحو 12.7 أمريكى عاطلين عن العمل . يعنى هذا أن إنفاق ملايين المستهلكين سيظل محدودا .

وتوجد علاقة وثيقة تربط حالة التوظيف بالإنفاق، ففى ظل التباطؤ الذى تشهده حاليا سوق العمالة تتراجع فرص زيادة الأجور . وتشير البيانات الحديثة إلى تراجع إلإيرادات عن كل ساعة بعد حساب التضخم مقارنة بما كانت عليه الحال عندما انتهى الركود فى يونيو 2009. كما شهدت الإيرادات الأسبوعية ارتفاعا طفيفا تقدر نسبته بنحو %1 منذ ذلك الحين . وارتفع الدخل المقدر بعد حساب الضريبة والحوافز الحكومية ومصادر الدخل الأخرى بنسب لا تزال متواضعة تقدر بنحو %4.

ويتوقع روبرت هل الخبير المالى لشركة ليو المتخصصة فى تجارة التجزئة أثناء مؤتمر حضره مستثمرون تراجع معدلات الإنفاق فى حال ضعف النمو فى الدخل الحقيقي، مشيرا إلى أن خلق فرص العمل تسهم فى تعزيز فرص زيادة الإنفاق .
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة