بورصة وشركات

بيع الأصول‮.. ‬آخر ورقة رهان تمتلگها شرگات الغزل والنسيج


أحمد مبروك

دفع اتجاه شركات الغزل والنسيج وحليج الأقطان المدرجة بالبورصة المصرية إلي التخلص من الأراضي غير المستغلة لديها وبيعها في مزادات علنية، أو تجميع تلك الأراضي في إنشاء شركات للاستثمار العقاري بجانب النشاط الأساسي للشركة في إطار شركة قابضة.. دفع إلي التساؤل حول ما إذا كانت تلك الشركات تلفظ أنفاسها الأخيرة من خلال الاعتماد علي النشاط العقاري والتخلي بالتدريج عن النشاط الأساسي لها في ظل تحول أرباحها التشغيلية إلي خسائر، أم أن اتجاه الشركات لبيع أراضيها غير المستغلة يأتي بغرض توفير سيولة تساهم في دفع عجلة النشاط الأساسي لها علي المدي الطويل؟


كما دفع تفاقم الخسائر التشغيلية للشركات العاملة في القطاع بالتزامن مع مطالب الشركة القابضة للغزل والنسيج بتصفية عدد من الشركات، ورفض وزارة الاستثمار تلك المطالب.. إلي التساؤل حول ما إذا كان قطاع الغزل والنسيج وحليج الأقطان دخل مرحلة التلاشي من الخريطة الاستثمارية للاقتصاد المحلي، أم مازال هناك بصيص من الأمل في نهاية الطريق؟ وتحاول »المال« الوقوف علي أهم المطالب الضرورية التي قد تساهم في إعادة ذلك القطاع إلي الحياة مرة أخري.

وقد جاء اتجاه شركة العربية لحليج الأقطان نحو التحول إلي شركة قابضة، تضم شركتين، الأولي تعمل في مجال الغزل والنسيج وحليج الأقطان، والثانية سيتم إنشاؤها اعتماداً علي الأراضي غير المستغلة لدي الشركة، للدخول في نشاط الاستثمار والتطوير العقاري، والبدء في بيع باكورة أراضيها في محلج زفتي التابع للشركة من خلال مزايدة علنية نجحت خلالها في جمع 85 مليون جنيه حصيلة بيع 12 ألف متر فقط في المدينة.

يأتي ذلك رغم أن القوائم المالية »غير المجمعة« لشركة »العربية لحليج الأقطان« كشفت عن انخفاض مستوي صافي أرباحها التشغيلية من 58.6 مليون جنيه خلال العام المالي 2007/2006 إلي ما يقارب من 36.377 مليون جنيه خلال العام المالي 2008/2007، لتستقر عند مستوي 37.765 مليون جنيه خلال العام المالي الماضي.

وجاء اتجاه شركة »سبينالكس« إلي إنشاء مصنع جديد بمدينة السادات لإنتاج الغزل والنسيج، رغم هبوط أرباحها التشغيلية من 36.2 مليون جنيه خلال عام 2006، إلي 30.2 مليون جنيه خلال عام 2007، ثم إلي 13.6 مليون جنيه في عام 2008، قبل أن تسجل 5.6 مليون جنيه خلال العام الماضي.

بينما تمادت شركة كابو في تحقيق خسائر تشغيلية غير مجمعة، لتسجل قيمتها 17.36 مليون جنيه خلال العام المالي الماضي مقابل 11.46 مليون جنيه خسائر تشغيلية خلال العام المالي الأسبق، و2 مليون جنيه أرباحاً تشغيلية خلال 2007!

من ناحية أخري أعلنت شركة »العربية بولفارا للغزل والنسيج« عن عزمها بيع 110 آلاف متر من الأراضي غير المستغلة لديها، من أجل توفير سيولة لتطبيق نظام المعاش المبكر، واستغلال باقي الحصيلة في الاستثمار في الأسهم أو السندات أو الأذون، علماً بأن الأرباح التشغيلية لشركة »بولفارا« البالغة 5 ملايين جنيه خلال عام 2007 تحولت إلي صافي خسائر  تشغيلية خلال عام 2008 بلغت 21.227 مليون جنيه، لتواصل التفاقم إلي 39.156 مليون جنيه خلال العام الماضي.

من ناحية أخري اعتبرت شركة »النيل لحليج الأقطان« أراضيها طوق النجاة في ظل الخسائر التي تسبب فيها قطاع الحليج، وبدأت بالفعل في عقد مزادات لبيع أراض  ومعدات بعد أن غيرت الغرض الأساسي للشركة.

وكشفت نتائج أعمال الشركة خلال النصف الثاني من العام الماضي عن تحقيق صافي خسارة 19.5 مليون جنيه، مقابل صافي أرباح 14 مليون جنيه خلال نفس الفترة من العام الماضي!

في البداية اعتبر محسن جيلاني، رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للغزل والنسيج اتجاه عدد من شركات الغزل والنسيج إلي التخلص من أراضيها أمراً إيجابياً علي المدي القصير، حيث يتم معظم مبيعات الأراضي من قبل تلك الشركات بغرض تسديد بعض الديون المستحقة، إلا أن ذلك الاتجاه ليست له علاقة بالنهوض بالصناعة علي المديين المتوسط والطويل، حيث إن اصلاح تلك الصناعة يستلزم عدداً من الإجراءات التي يجب تنفيذها.

من جهته دافع عبدالمجيد عسل، العضو المنتدب لشركة »العربية« بولفارا للغزل والنسيج« عن الاتجاه إلي التخلص من الأراضي، لافتاً إلي أن قيام شركته بالتخلص من الأراضي المتاحة لديها والبالغة 111 ألف متر، سيؤدي في النهاية إلي تحسين هيكلها التمويلي خاصة أن الشركة ليست مدينة للبنوك بمبالغ ضخمة، وسيساعد البيع من ناحية أخري علي النهوض بأداء الشركة خلال الفترة المقبلة، حيث سيتم توظيف عوائد بيع الأراضي في عدة نواح.. الأولي هي خفض التكاليف الإنتاجية من خلال تطبيق نظام المعاش المبكر لتقليص الرواتب، والثانية ضخ 50 مليون جنيه استثمارات في ماكينات الشركة لتدعيم مراكز الاختناق وتحسين الجودة، بينما سيتم استثمار باقي حصيلة بيع الأراضي في أذون خزانة أو سندات أو حتي في أسهم بالبورصة، وأكد عسل أن كل تلك الخطوات تصنف ضمن مرحلة إعادة البناء بالشركة.

من ناحية أخري توقع عسل أن تتجه شركات الغزل والنسيج إلي إغلاق أبوابها في حال استمرار وضع القطاع علي حاله، لافتاً إلي أن إهمال الحكومة ذلك القطاع هو السبب الرئيسي وراء تدهور وضعه الحالي، وطالب الحكومة بتحديد استراتيجيتها تجاه ذلك القطاع في الفترة المقبلة لافتاً إلي أن قطاع الغزل والنسيج يعتبر من القطاعات الاستراتيجية، لعدة أسباب أهمها الموارد البشرية الهائلة التي تعمل في ذلك القطاع.

وأضاف العضو المنتدب بشركة »العربية بولفارا للغزل والنسيج«، أن من ضمن العوامل التي ستؤثر إيجاباً في وضع القطاع علي المديين المتوسط والطويل، هو اتجاه الحكومة إلي تشجيع الفلاحين علي زراعة القطن من خلال عرض أسعار شراء أعلي من المعروضة حالياً، للعمل علي إعادة رفع المساحة المزروعة، التي تقلصت بشكل شديد علي مدار السنوات القليلة الماضية.

من ناحية أخري أشار عسل إلي أنه بعد دعم الفلاح، يجب أن تحاول الحكومة دعم المصانع نفسها، من خلال تخفيض سعر شراء القنطار إلي 500 جنيه، علماً بأن عدداً كبيراً من شركات الغزل والنسيج يستخدم القطن اليوناني والسوري قصير التيلة في التصنيع، بالإضافة إلي ضخ المزيد من الاستثمارات بشركات القطاع والعمل علي تحسين جودتها، كما يجب أن تقف الحكومة بشكل جدي في مكافحة الإغراق الذي طال المصانع المحلية ويعرضها للإغلاق بسبب البضائع الكثيرة »المهربة«، وهي تباع بسعر أقل من سعر تكلفة التصنيع المحلية!

من جانبه قال منير حمدي، الخبير بقطاع الغزل والنسيج، إن شركات القطاع العام التي تعمل في الغزل والنسيج تعد عبئاً علي ميزانية الدولة، خاصة في ظل عزوف الدولة عن دعم القطاع بشكل سليم. كما تجب إعادة النظر في أسباب تحقيق الشركات تلك الخسائر، وعدم ضخ مزيد من الاستثمارات في تلك الشركات إذا ما أثبتت دراسة الجدوي عدم وجود جدوي منها، كما ينبغي اتخاذ قرار الاستثمار في تلك الشركات بعد تحديد هدف الاستثمار ذاته، مشيراً إلي أنه من ضمن الأسباب التي أدت إلي تدهور الصناعة، رفض الحكومة الاستجابة لمطالب الشركة القابضة للغزل والنسيج بتصفية بعض الشركات التابعة الخاسرة.

وفيما يخص اتجاه الشركات إلي بيع أراضيها، قال حمدي إن الأرباح الرأسمالية الناتجة عن ذلك الاتجاه في العديد من الشركات لن تغطي أكثر من تكاليف أجور العمال أو حتي المعاش المبكر.. وأبدي نظرة تشاؤمية حيال استغلال بيع الأراضي في تحديث الصناعة نفسها.

ومن الناحية الاقتصادية قال حمدي إنه من ضمن الأسباب التي ساهمت في تدهور الصناعة عدم قدرة الشركات علي تطوير الإنتاج مما أدي إلي إقحام العديد من الشركات في الخسائر، واتجاه الشركات الرابحة إلي تخفيض معدلات نمو أرباحها.. لذا طالب حمدي بتقييم واضح للإدارات العاملة بالقطاع.

وأضاف حمدي أن قطاع الغزل والنسيج يضم العديد من الشركات الخاسرة التي تشكل عبئاً، وآلاف العمال منخفضو الإنتاجية، لذا ليس هناك عيب في تخفيض عدد الشركات العاملة بالقطاع، أو حتي تصغير حجم أعمالها، والإبقاء علي الوحدات الرابحة وإغلاق الوحدات الخاسرة أو ذات الإنتاج ضعيف الجودة، خاصة أن هناك أمثلة أثبتت نجاح تجربة الشركات صغيرة الحجم من حيث العمال في ذلك القطاع.

ومن ناحية التحليل المالي قال محمد سالم، المحلل المالي بشركة »بريميير« للسمسرة، إن شركة »العربية لحليج الأقطان« الوحيدة من بين شركات الغزل والنسيج وحليج الأقطان المدرجة بالبورصة المصرية التي تتبع خطة عمل واضحة، تتيح  الاستفادة من الأراضي غير المستغلة من أجل الحصول علي أرباح علي المديين القصير والطويل معاً.

كما أن الشركة تستطيع في الوقت الحالي تحقيق أرباح من النشاط الأساسي للشركة، دون حتي اللجوء إلي مبيعات الأراضي.

من ناحية أخري قال سالم، إن باقي الشركات المدرجة التي تتجه إلي بيع الأراضي المتاحة لديها، تهدف إلي تحقيق أرباح رأسمالية علي المدي القصير دون التأثير بشكل جوهري علي سير النشاط في القطاع الأساسي لتلك الشركات سواء كان الغزل والنسيج أو حتي حليج الأقطان.

وفيما يخص تجربة النيل لحليج الأقطان، قال سالم، إن الشركة تلجأ لبيع الأراضي غير المستغلة وفقاً لسياستها التي أعلنتها، وهي الاستفادة من تلك الأراضي لتحقيق أرباح رأسمالية، دون التركيز علي النشاط الرئيسي للشركة نفسه.. وهو الأمر الذي تم من خلال تعريض العاملين بالشركة إلي مضايقات من أنواع مختلفة لإجبارهم علي المعاش المبكر.

علي صعيد آخر اعتبر المحلل المالي بشركة »بريميير« للسمسرة شركات القطاع العام العاملة في قطاع الغزل والنسيج عبئاً علي الحكومة، بسبب خسائرها المستمرة والتي ليس من المتوقع أن تتحول إلي خانة الربحية في الفترة المقبلة، مما يؤثر سلباً علي ميزانية الدولة، حيث ينعكس علي نتائج أعمال الشركة القابضة للغزل والنسيج التي تمادت في تحقيق خسائر مجمعة بلغت 2.2 مليار جنيه خلال العام المالي الماضي بما يؤكد دمار تلك الصناعة علي صعيد القطاع العام، وانخفاض تنافسيتها، وهبوط إنتاجية العمال بشكل ملحوظ، وأرجع اعتباره تلك الشركات عبئاً علي الدولة إلي صعوبة تصفيتها في ظل اقتراب الانتخابات.

من ناحية أخري رهن سالم انتشال صناعة الغزل والنسيج من المرحلة المتعثرة التي بلغتها، بتعديل السياسات الحكومية في التعامل مع ذلك القطاع، وبدء النظر إليه في مفهوم سياسي وقال: يجب أن تبدأ الحكومة في إعادة هيكلة الشركات أو تصفية الشركات الخاسرة أو حتي بيعها لمستثمر استراتيجي، علاوة علي ضخ استثمارات جديدة بالشركات التي تحقق ربحية، بالإضافة إلي دعم الفلاح مباشرة، وعدم إرهاق كاهله بمتطلبات واشتراطات قاسية، وأسعار شراء متدنية تقضي علي ربحيته.

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة