سيـــاســة

جمعة «لحس الگوع » السودانية


عادة ما يكون «الشمال ».. أسوة لاقتداء الجنوبيين للارتقاء بحياتهم على غراره، ربما باستثناء الثورات الشعبية التى درجت عليها السودان منذ أكتوبر 1964 ، إذ اهتدت بها منذ 2011 الثورات الربيعية فى الشمال العربى، وليخرج السودانيون إلى الشوارع طوال الأسبوعين الماضيين .. للمرة الثالثة خلال أقل من نصف قرن .. للخلاص من أنظمة انقلابية فرضت هيمنتها على شئون البلاد والعباد - بشكل منقطع - منذ استقلالها فى 1956 ، وإذ يثور الشعب السودانى ثالثا، بعد ثورتى 1964 و 1985 ، بالمئات، فمن المتوقع ازدياد أعداد المعارضين إلى مئات الآلاف، رغم القمع الجارى على أيدى نظام الحكم الذى أورث السودان منذ الانقلاب العسكرى يونيو 1989 ، بالاشتراك مع جبهة الانقاذ الإسلامية، التفكك والحروب الأهلية من الجنوب إلى الغرب إلى جنوب كردفان والنيل الأزرق، ناهيك عما يمور فى الشمال حول العاصمة المثلثة من تصاعد مطرد من جانب المعارضة، وبحيث باتت الأزمات واستفحالها فى طول السودان وعرضه أكثر من أن تحصى ..

إلى ذلك، ومع سوء إدارة القضايا الخلافية بين دولتى السودان، الخرطوم وجوبا، فقد اشتدت وطأة الغلاء لتمس لقمة العيش إلى رفع الدعم عن المحروقات .. وارتفاع الضرائب والجمارك .. إلخ، مما أحكم الخناق على حياة الناس .. إلى جانب سوء السياسات وتفشى الفساد المالى والإدارى، بحيث يبدو الصيف السودانى الساخن «مناخياً » ، فى طريقه لأن يكون أكثر سخونة «سياسياً » فى الأشهر الثلاثة المقبلة، خاصة مع بذاءة مفردات القاموس السياسى للرئيس السودانى .. ضد الجنوبيين أو مع معارضيه فى الشمال بسواء، ما يؤكد أن رياح التغيير آتية اليوم، أو غداً، إما من الداخل وإما عبر ضغوط خارجية ومن مجلس الأمن، وإما من كليهما .

من اللافت فى هذه الغضون، وبرغم المكانة التاريخية التى تحظى بها الأحزاب السودانية، خاصة بالنسبة لطائفتى الأنصار والختمية، فإن أحزابهما لم تباشر السلطة فى السودان منذ استقلاله .. غير نحو عشرة أعوام تقريباً - بشكل متقطع - فيما يقتصر المشهد السياسى على صدارة المؤسسة العسكرية إلى جانب تيار الإسلام السياسى، متحالفا أو معارضاً بسواء، منذ قاد الأخير الاستقالة الجماعية لأساتذة الجامعة .. ما ساهم فى سرعة إسقاط حكم «الفريق عبود » 1964 ، وإلى مشاركته فى أسلمة قوانين الشريعة فى عهد «العقيد نميرى » 1983 ، كما رتب وشارك فى الانقلاب العسكرى على الحكومة المنتخبة 1989.. قبل الانشقاق بينهما بعد عشر سنوات، تحول بعدها إلى التحالف ضد النظام .. مع الانفصاليين فى الجنوب «الجبهة الشعبية » العام 2000 وفى الغرب «العدل والمساواة » العام 2004 ، وليعدل اليوم من خطابه السياسى .. معترفا بالتنوع السودانى الذى لا يصلح معه سوى «الدولة المدنية » ، بحسب «حسن الترابى ».. الذى وصف أيضاً جماعة الإخوان المسلمين فى ندوة له بجريدة الشروق المصرية العام الماضى .. بأنهم «لا يملكون برامج واضحة، وسيختلفون بمجرد وصولهم إلى السلطة ».

وهكذا، بعد انسلاخ «المؤتمر الشعبى » ذى المرجعية الإسلامية .. لم يعد فى السودان من يرتبط بما يسمى «الفكر الجهادى ».. غير حفنة صغيرة تتركز السلطة فى يدها، وتتكون أساساً من «الرئيس » ودائرته الداخلية الضيقة من المقربين، شاخت بهم الأمور من فرط الانهاك والعجز، ويفتعلون من حين لآخر معركة عسكرية فى الداخل أو الخارج «يبررون بها بقاءهم فى السلطة » إلى أن تحين ساعة الحقيقة التى أزفت، ربما لتقتدى بها مصر بعد حين، أسوة بفشل وكارثية النموذج السياسى السودانى المتشح عن غير منطق .. بالدين .

إلى ذلك، خرج السودانيون عشية مرور 23 عاماً على الانقلاب العسكرى ذات الصبغة الإسلامية، فى تظاهرات 6/29.. فيما يشبه «ثورة الجياع ».. وتحت مسمى جمعة «لحس الكوع ».
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة