سيـــاســة

تصعيد الموقف في‮ »‬أبيي‮« ‬يفتح الباب للتدخلات الدولية في السودان


محمد ماهر- محمد يوسف

 

 
مع تجدد الصراع حول منطقة أبيي النفطية تجددت المخاوف من التدخل الأجنبي في السودان خاصة بعد مطالبة مسئولين في حكومة جنوب السودان المجتمع الدولي ومجلس الأمن بالتدخل بعد سيطرة الجيش السوداني علي المنطقة، وهو المطلب الذي تزامن مع الإدانات الدولية من قبل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومجلس الأمن والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ومطالبات عاجلة بخروج الجيش السوداني فوراً من أبيي.

 
وكان التوتر قد تصاعد بين الجانبين بعد أن اتهم الشمال الجيش الشعبي لتحرير السودان بمهاجمة قوات سودانية يصحبها جنود من قوة الأمم المتحدة لحفظ السلام في دوكورا الواقعة شمال أبيي، مما دفع الجيش لفرض سيطرته علي المنطقة.

 
يذكر أن أبيي هي منطقة حدودية بين شمال السودان وجنوبه، ويحشد الطرفان قواتهما هناك حسبما أفادت صور التقطتها الأقمار الصناعية والأمم المتحدة.

 
وقد خاض شمال السودان وجنوبه حرباً معظم الأوقات منذ عام 1955 بسبب خلافات تتعلق بالعرق والدين والنفط، وسقط مليونا قتيل علي الأقل في الحرب التي زعزعت استقرار معظم أرجاء المنطقة، وصوت أبناء جنوب السودان في يناير الماضي لصالح الانفصال عن الشمال وإقامة دولة جديدة، وكان من المقرر إجراء استفتاء آخر، كي يقرر سكان أبيي إذا ما كانوا سينضمون إلي الشمال أو الجنوب بالتزامن مع استفتاء الجنوب في يناير الماضي لكنه لم يتم، وتعثرت محادثات بين الشمال والجنوب بشأن مستقبل أبيي.

 
من جانبه، قال الدكتور مصطفي النشرتي، خبير الشئون السودانية بجامعة العلوم والتكنولوجيا، إن احتمالات التدخل الأجنبي في السودان قائمة دائماً ومرتبطة بمصالح اقتصادية للولايات المتحدة والدول الأوروبية، خاصة أن منطقة أبيي نفطية في الأساس، كما أن حكومة جنوب السودان تسعي منذ فترة طويلة، وقبل قيام دولتها في الجنوب، إلي التدخل الأجنبي في الشمال لحماية مصالح الجنوب الذي يدين بوجوده للغرب.

 
وأشار النشرتي إلي أن الجيش السوداني سيطر علي منطقة أبيي بعد محاولات الجنوب السيطرة علي المنطقة النفطية والغنية بالثروات، وبالتالي فالصراع كان متوقعاً، خاصة أن الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان، أو حكومة الجنوب، سعت لنشر الجماعات المسلحة للسيطرة علي أبيي، كما أن الجيش السوداني يسعي لفرض سيطرته علي المنطقة، وأضاف أن حكومة شمال السودان أعلنت أن تدخل الجيش جاء لإخلاء الجماعات المسلحة التي وصفتها حكومة الشمال بغير الشرعية، في حين اتهم الجيش السوداني الجنوب بانتهاك اتفاق السلام، مؤكداً استمرار قواته في أبيي لحين التوصل إلي اتفاق يضمن الأمن والاستقرار في المنطقة.

 
ويري الدكتور هاني رسلان، رئيس برنامج الدراسات السودانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن تفجر الاشتباكات مجدداً بين الخرطوم وجوبا حول إقليم أبيي كان متوقعا في ظل فشل المفاوضات الأخيرة بين الطرفين في إثيوبيا خلال الأسابيع الماضية في الوصول لحلول توافقية حول الإقليم الغني بالموارد الطبيعية وحول ترسيم الحدود بين الطرفين، مشيراً إلي أن نذر تجدد الاشتباكات كانت قد بدأت تلوح في الأفق بعد إعلان جنوب السودان عن مسودة لدستورها الجديد، وفيه يتم اعتبار إقليم »أبيي« جزءاً لا يتجزأ من أراضي دولة الجنوب، وهو ما استفز الخرطوم بشدة، واعتبرته بمثابة إعلان حرب، وهددت بأنها سترفض الاعتراف بدولة الجنوب، في حال اقدمت جوبا علي مثل هذه الخطوة.

 
ورجح رسلان عدم تطور المصادمات الأخيرة بين الجيش السوداني وقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان إلي حرب شاملة بين الطرفين علي الأقل في الوقت الراهن، نظراً لأنه لم يعد يفصلنا عن 9 يوليو- وهو التاريخ المحدد لإعلان دولة الجنوب- سوي أقل من شهرين، بينا تريد حكومة جوبا الوصول لهذا التاريخ دون أي مشاكل يمكن أن تؤثر علي دولتها الوليدة، مضيفاً أن الخرطوم تعلم جيداً دقة وحساسية الحسابات الجنوبية غير الراغبة في الدخول في حرب مع دولة الشمال في هذا التوقيت، لذلك قامت باستغلال الوضع لفرض سيطرتها علي الإقليم، وطرد القوات التابعة للحركة الشعبية، وحل المجالس الإدارية تمهيداً لكسب موقف تفاوضي أقوي عند الجلوس مجدداً علي طاولة المفاوضات لبحث مستقبل »أبيي«، أما التدخل الدولي فأعتقد أنه غير وارد في هذه المرحلة لأنه يزيد الأمور تعقيداً.

 
وأوضح رسلان أن الخطوات الأخيرة التي أقدمت عليها حكومة الخرطوم ما هي إلا إجراءات استباقية تعزز موقفها قبل الدخول في الصراع علي »أبيي«، وهو سيكون صراعاً شرساً يمتلك فيه الطرفان ترسانة من الحجج والأسانيد القانونية التي تدعم موقفه، لذلك فإن الموقف علي أرض الواقع قد يؤثر علي مسار هذا الصراع، وربما تكون الغلبة في المفاوضات لمن له الغلبة علي الأرض.

 
أما الدكتورة إجلال رأفت، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الخبيرة في الشئون السودانية، فتري أن تفجر أعمال عنف مجدداً بين القوات الشمالية والجنوبية المرابطة في »أبيي« يعد أمراً خطيراً للغاية، لا سيما إذا نظرنا للظروف الدولية والإقليمية الحالية، فالأمر ينذر بالفعل بمخاوف من تدخل دولي، مشيرة إلي أن احتمالات انهيار اتفاق السلام الهش بين الخرطوم وجوبا يبدو محتملا في ظل تصاعد وتيرة العنف والتراشق بالاتهامات بين الطرفين، لذلك يجب علي القوي الإقليمية- بما فيها مصر- التدخل بقوة لمحاولة رأب الصدع بين الطرفين لأن اندلاع حرب شاملة بين الخرطوم وجوبا يمثل تهديداً للاستقرار في منطقة القرن الأفريقي برمتها.

 
وأضافت أنه بالنظر لتاريخ ومسار الحرب الأهلية في السودان بين الشمال والجنوب، بكل تعقيداتها، فسنجد أن »أبيي« كانت دائماً محوراً للخلافات الدائمة بين الطرفين، وتعد أحد أهم الأسباب لاستمرار الحرب الأهلية، وهي كانت نقطة الخلاف المركزية التي لم يتم حسمها بشكل كامل في مفاوضات اتفاقية »مشاكوس« للسلام بين الطرفين في 2005، لذلك فأي شيء متعلق بـ»أبيي« ينظر له المجتمع الدولي بقلق، وهذا ما عكسه الاهتمام الدولي بما حدث، وخروج الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مؤخراً ليؤكد قلق المجتمع الدولي إزاء ما يجري في »أبيي«.

 
ومن جانبه قال نصر الدين قشيب، مدير مكتب الحركة الشعبية لتحرير السودان بالقاهرة، إنه لا يتمني الدخول في حرب أهلية جديدة لأن الجميع فيها سيدفع الثمن، لذلك آثر الجيش الشعبي الانسحاب من »أبيي«، وليس كما قيل تم طرده من الإقليم، وذلك بغرض عدم اتساع دائرة الاشتباكات علي الرغم من أن الحركة الشعبية تنظر للإجراءات الأخيرة للجيش السوداني علي أنها إجراءات عدائية.

 
وحول سياسة فرض الأمر الواقع وكسب مواقف علي الأرض تؤثر علي الموقف التفاوضي، نبه »قشيب« إلي أن الحركة ماضية في كل الإجراءات القانونية السلمية لاستعادة »أبيي«، مشيراً إلي أنه ليس معني أننا لا نرغب في الحرب بأننا سوف نتساهل في حقوقنا.

 
وفي سياق متصل أكدت السفيرة منحة باخوم، المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية، خلال وقت سابق أن الدكتور نبيل العربي، وزير الخارجية، حرص علي تأكيد مساندة مصر ودعمها للشريكين السودانيين بغرض الوصول إلي حلول توفيقية بخصوص »أبيي« والمسائل الأخري التي مازالت عالقة بين الطرفين بما يضمن استقرار وأمن وتنمية السودان شمالاً وجنوباً خلال المرحلة المقبلة.

 
بينما اعتبر حسن علي، عضو مكتب حزب المؤتمر السوداني، أن التهديدات بالتدخل الأجنبي لم تعد فزاعة للسودان لأن الإدانات مستمرة وطوال الوقت لمصلحة الجنوب، والسؤال لو كان جيش جنوب السودان هو الذي فرض سيطرته علي إقليم أبيي فهل كانت كل هذه الإدانات ستصدر؟ فقد اعتدنا علي أن القوي الدولية تنصاع وراء الولايات المتحدة التي تكيل بمكيالين.

 

 

 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة