لايف

‮»‬المطبوعات اليدوية‮«.. ‬محاولة جديدة لمواجهة سطوة دور النشر


كتبت - ناني محمد:
 
ظاهرة جديدة لفتت إليها الأنظار، بل واستطاعت أن تجذب إليها القارئ المصري والمهتمين علي حد سواء، عندما يسمع عنها البعض يعتقد أن أصحابها من محبي الشهرة أو يعانون من الملل ويرغبون في إضاعة أوقاتهم، بينما إذا أمعنا النظر فيها سنجد أنها ذات قيمة ومكانة لا يمكن التغاضي عنهما، إنها ظاهرة »الكتابة اليدوية« وكان أبرز من رعي تلك الظاهرة مؤسستي »يدوية« و»كيان« وهما مؤسستان تعملان علي نسخ الكتب والنصوص الأدبية في شكل مخطوطات،


l
وذلك إيماناً منهما بحميمية الكتاب وعلاقته بالقارئ وهروباً من سطوة أصحاب دور النشر ومغالاتهم في الأموال اللازمة لطباعة ونشر الأعمال الأدبية، وهو الأمر الذي جعل تلك المؤسسات والجماعات الأدبية تلجأ لكتابة الأعمال يدوياً وبيعها بأسعار رمزية لا تعبر عن المجهود المبذول علي الإطلاق، وظهر ذلك من خلال إصدارات عديدة للمؤسستين مثل »شباك موارب« و»نكش فراخ«.

 
في البداية أكدت أماني محفوظ، المسئول الإعلامي عن مؤسسة »يدوية«، أن فكرة نسخ الكتب والنصوص الادبية ابتكرها كاتب شاب يدعي ماهر شريف، وهو القائم عليها منذ بدايتها عام 1996، ولكنه توقف لمدة عام من2008  حتي العام 2009، لكن مؤسسة يدوية تمكنت من إصدار أول عمل له وهو »شباك موارب« الذي يضم أشعاراً بالعامية.
 
واشارت »محفوظ« الي ان السبب الاساسي الذي دفع بـ»شريف« الي الاتجاه الي تلك الخطوة، هو رغبته في التخلص من سطوة وسيطرة دور النشر وأصحابها الذين كانت طلباتهم المادية أكبر من قدرة أي شاب علي تنفيذها، وقالت إنه في بادئ الأمر كانت النسخة اليدوية الأولي يتم نسخها علي آلة تصوير وتوزيعها بسعر رمزي علي المكتبات وعرضها للبيع ولم يكن يتكرر في كل مرة غير الرسومات، حيث لم يكن يتم نسخها بل كانت ترسم كل نسخة منفصلة بذاتها، ثم بعد ذلك أصبح الكاتب يقوم بكتابة نسخ كتابه بنفسه حتي لو تطلب الأمر كتابته 400 مرة، حتي يصدر له 400 نسخة كأي كتاب آخر في السوق تتم طباعته ونشره عن طريق دار النشر وبالطرق التقليدية، وأكدت أن الفكرة قد تكون عودة للمخطوطات التي كانت منتشرة في الأزمان الماضية، وربما هي عودة للتراث ومحاولة من مؤسسة »يدوية« لتحدي التطورات التكنولوجية التي تسببت في قتل الإبداع والتطور والإعتماد بصورة اكبر علي الآلة.
 
وأضافت أن الشكل الجديد للكتب قد يكون أداة لجذب القراء للعودة مرة أخري للقراءة، حيث يشكل صورة من صور الحميمية بين القارئ والكاتب عبر الكتاب والنص الأدبي فتكون وسيلة جيدة لعودة الاهتمام بالقراءة، كما أن الإصدار يكون في شكل »كراسة« تحتوي علي النص الأدبي مصحوبا برسومات كاريكاتيرية أو لوحات تشكيلية صغيرة تعبر عن فحوي الكتاب، وتضم تلك النسخ جميع أنواع الأدب فيمكنها أن تكون للشعر العامي والفصحي، أو للرواية والقصة القصيرة، وقد صدر بالفعل منها 9 أعداد متنوعة.
 
وأشارت »محفوظ« الي أن المردود الذي وجدته حين بدأت في نسخ ديوان »شباك موارب« كان غير متوقع لدرجة أن عدداً كبيراً من كبار الكتاب والفنانين التشكيليين، أبدوا إعجابهم بالتجربة وأكدوا رغبتهم في المشاركة فيها.
 
وعن المجموعة القصصية »نكش فراخ« أكد الكاتب محمد حسنين، أنها جاءت في قالب جديد يشبه »يدوية« ذلك القالب الذي لم يألفه الكثيرون بعد، حيث إشترك فيه مجموعة من القائمين علي ورشة أدبية لكتابة القصة القصيرة، ووضعوا فيها نتاج ورشتهم الإبداعية في كتاب يكتبونه بأنفسهم بخط أياديهم وربما تكون هذه الجماعية هي الاختلاف الوحيد بينهم وبين »يدوية«، بالاضافة الي ان »نكش فراخ« تم تصميم غلافها بصورة جماعية.
 
وأكد حسنين أن تجربة »نكش فراخ« تمت تحت رعاية مؤسسة ثقافية أهلية تدعي »كيان« والتي يرأسها أحد الكتاب المشاركين بالمتتالية »نكش فراخ«، مشيراً إلي أن التجربة - رغم إختلافها - إلا أنها لاقت إقبالاً واسعاً من المهتمين بل من الجمهور علي المستوي العام، مدللاً علي ذلك بتلقيهم عرضاً من الفنان جورج البهجوري ليكون معهم في تلك التجربة ويقوم بتصميم الرسومات الداخلية للكتاب، وقد قامت معظم دور النشر في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الثانية والأربعين بعرض الكتاب لديها في أجنحتها الخاصة إيمانا بأهمية التجربة، وبالفعل نفدت الطبعة الاولي بالكامل، وهم الآن بصدد عمل النسخة الثانية أو المطورة من »نكش فراخ« من خلال ورشة كتابة أخري.
 
و أكد »حسنين« أن تلك التجربة لم تكن بسبب الخوف من دور النشر او الخروج من عباءة الناشرين بل إنها جاءت نتيجة إعجاب مجموعة العمل بتجربة »يدوية« ورغبتهم في محاكاتها وإيمانا منهم بالحميمية التي أكدتها ودعت إليها من خلال كتابة الاعمال الادبية بخط اليد وليس عن طريق الطرق التكنولوجية المعتادة، وأشار إلي أنه يجري حالياً تعميم الفكرة علي معظم إصدارات مؤسسة »كيان«.
 
ومن جانبه أوضح الكاتب الروائي يوسف القعيد، أن تلك التجربة تشبه إلي حد كبير المهنة المندثرة التي كان يطلق عليها »الوراقون« حيث كان يمتهنها الكثيرون بغرض نشر العلم والكتب العلمية والدينية، بدأها حفظة القرآن الكريم، وظلت مزدهرة إلي أن ظهرت الطباعة فتلاشت بفعل عوامل الزمن، الأمر الذي جعلها غير معروفه للناس وجعل من »يدوية« و»كيان« ظاهرة في المجتمع، ولكن هذه التجربة تعد أمراً جيداً يدعو للتأمل وإنتظار المزيد منه علها لا تكون مجرد تجربة وتنتهي بعد إنتشارها وتحقيقها بعض النجاح كما هو الحال في معظم التجارب المصرية، أو أن تكون مدعاة لكسب المال وبحثا عن الشهرة دون القيمة الأدبية.
 
فيما يري الفنان التشكيلي حلمي التوني، أن هناك عدة مسميات لعدد من الظواهر الجديدة فهناك مثلا »كتاب الفنان« والذي يقام كل عامين بمكتبة الإسكندرية كنوع من التعبير عن الفنان التشكيلي، فيكون هناك معرض لما يتمثل لهذا الفنان من معني في »كتاب الفنان« فقد يكون الكتاب بأي شكل فمثلا علي هيئة طير أو كائن بشري، او في شكل الكتاب التقليدي، وهناك أيضا المخطوطات التي تتم دراستها للكتاب القدامي، والتي انتشرت قبل ظهور »جوتنبرج« مخترع الطباعة، والتي تعد من الآثار الفنية الرائعة، مشيراً إلي أن تلك المخطوطات هي ما يعود إليه أصحاب التجربة الجديدة، كأن يكتبون نصوصهم الادبية بخط أيديهم مصحوبا بتعابير تشكيلية لفنانين موهوبين فتكون النتيجة عملا يستحق العناء، الا أنه عاد ليؤكد انه بالرغم من ذلك فلن تحقق تلك التجربة رواجاً لقيمتها الأدبية أو الفنية العالية ولكن لأنها تجسد شكلاً جديداً ومنخفض السعر يسعي الكثيرون لاقتنائه.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة