استثمار

الريح‮ .. ‬والبلاط الربيع العربي هو‮ »‬خريف‮« ‬الحكام‮!!‬


كشفت ثورات »الربيع العربي« كل عورات رؤساء الجمهوريات العربية الذين »شاخوا« في مواقعهم لسنين، قرروا خلالها أن جمهورياتهم التي خطفوها بانقلابات واضحة المعالم أو بمؤامرات تولي بها من لا يصلحون أمور بلاد تضم الكثير من المثقفين والمبدعين، وصانعي الحضارات يمكن تحويلها إلي ممالك تتيح لهم توريث الحكم لأبناءهم أسوة بأولياء العهد في البلاد الملكية الذين يرثون الحكم عن أبائهم بصرف النظر عن أهلية ولي العهد هذا للحكم من عدمه حتي لو كان مصابًا بخلل دماغي وراثي - وما أكثر ما يرثه هؤلاء مع الملك - من جينات غير صالحة لأي شيء غير قضاء العمر في أماكن استشفاء لا يخرجون منها لغير القبور.

ولقد بدأ عصر »التوريث العربي« بحاكم سوريا الديكتاتور حافظ الأسد منذ سنين طويلة، وهو الحاكم الذي أحاط نفسه بأجهزة أمن جهنمية تتولي حماية عرضه العلوي، وهي الأجهزة التي قتلت وريثه البكري »باسل« عند رفض خطبة أخته لأحد أقطاب تلك المؤسسة الأمنية، وهو ما أدي إلي اغتياله بحادث سيارة مصطنع، وهو ما أدي إلي نقل ولاية العهد لأخيه بشار »المحتاس« الآن فيما يجري في شوارع سوريا، والذي قد يكون رهينة لتلك الأجهزة فيما يؤكده عدم حديثه إلي الناس منذ جلسة مجلس الشعب التي افتتحها بالحديث عن آمال لم ولن تتحقق، بينما تجري أنهار دماء السوريين في كل المحافظات بدعوي البلطجية الذين يقتلون أفراد الأمن والقوات المسلحة، مع أن وجود هؤلاء »البلاطجة« إذ كان لهم وجود أصلاً، هو مسئولية تلك الأجهزة الجهنمية أساسًا التي تمتلئ »سجون المزة« بالألوف من السوريين الذين قالوا »لا«.

ومقاومة لميول الوراثة التي حدثت بسببها ثورة 25 يناير في مصر، وثورة تونس، حيث كان »بن علي« ينوي بسبب عدم وجود وريث له، أن يتولي شقيق زوجته الكوافيرة دور ولي العهد، فإن الشوارع في كل من اليمن وليبيا قد خرجت للأسباب نفسها، إلا أن احترام الجيش المصري لشعبه قد حال دون اغتيال الثورة والثوار هو نتاج تاريخ طويل من العسكرية الوطنية منذ أيام محمد علي الكبير، وبعده ابنه »القائد إبراهيم« وهو التوحد بين الشعب والجيش الذي ما زال قائمًا حتي الآن، وسوف يظل - بأمر الله - قائمًا إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها، ذلك أن الجيش المصري يضم خير أجناد الأرض.

ورغم المأساة الدموية الدائرة الآن في شوارع سوريا، واليمن، وليبيا، وهي البلاد التي حّول حكامها قوات الشعب المسلحة إلي »ميليشيات« خاصة تحمي أنظمة الحكم ولا علاقة لها بالشعب الذي يدفع من حر ماله تكاليف كل تلك الميليشيات، بينما تعاني الشعوب الثلاثة من شظف العيش والفقر الشديد، إلا أن الغريب في الأمر أن ولاة الأمر في الديكتاتوريات الثلاث لم يفطنوا إلي أن الدم والمزيد من الدم لا يمكن أن يحل مشاكل انتقال السلطة، أو استمرار السلطة نفسها في أيدي الناس أنفسهم، ذلك أن الخروج إلي الشارع له معني وحيد هو أن الشعب قد كسر جدار الخوف، وأن الخارجين إلي الشوارع - مهما دفعوا من دم - لن يعودوا إلي بيوتهم بغير تغيير كل شيء بداية بالظالمين، مهما طالت الأيام، أو كان حجم الدم المُسال ثمنًا للحرية!

إن سبب المأساة كلها - مأساة الجمهوريات العربية - أن الحاكمين لها قد قدموا من طبقات اجتماعية بالغة التدني، حيث بيوت لم تعلمهم الفرق بين العدل والظلم، ولا بين الحلال والحرام، ولا حرمة المال العام علي الإنفاق الخاص، وهذه ليست دعوة إلي برجوازية الحكم، إنما هي دعوة لحسن الانتقاء، انتقاء القادة من »الناس الشبعانة« الذين تعلموا في بيوتهم أصول قواعد الحياة، ذلك أن انتقاء »أولاد الحرام من لقطاء المجتمع« هو الحرام نفسه!!
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة