اقتصاد وأسواق

الموازنة العامة تغرق فى دوامة العجز


مها أبوودن

دخلت مصر عام 2013 بعدد من المعطيات والمؤشرات المالية المفزعة وفقاً لعدد من خبراء الاقتصاد والمالية العامة، حيث تبدأ بعجز متفاقم فى الموازنة العامة للدولة، قد يرتفع مع نهاية العام المالى الحالى ليسجل نحو 220 مليار جنيه، تمثل نحو %12 من إجمالى الناتج المحلى، وهو عجز لم تصل إليه مصر حتى خلال عام الأزمة المالية العالمية الذى لم تتخط مؤشرات العجز به %9.6 من إجمالى الناتج المحلى، مع تجاوز معدلات النمو %7 متساوية فى ذلك الوقت مع دول مثل ألمانيا.

 
 المرسي حجازي
وختمت مصر العام السابق 2012، بحدث ينذر بالكثير من المخاطر، وهو تخفيض التصنيف الائتمانى لمصر للمرة الخامسة، منذ ثورة 25 يناير، مع توصية باحتمال إجراء تخفيض آخر، إذا لم تتحسن الأمور ليصبح الحفاظ على قيمة العجز المرتفعة فى حد ذاته، أمراً بالغ الصعوبة، فى ظل حكومة لا تعترف بالحلول الفعالة لإيجاد حيز مالى حقيقى، يمكن الاعتماد عليه فى أوقات الأزمات دون اللجوء إلى أسهل الحلول التى تتمثل فى فرض ضرائب جديدة أو اللجوء للاقتراض من الداخل والخارج. وتصبح بذلك مهمة الدكتور المرسى حجازى، وزير المالية الجديد، شبه مستحيلة النجاح.

وقد أظهر التنفيذ الفعلى لموازنة العام المالى الماضى 2012/2011 الحساب الختامى، عجزاً كلياً فى الموازنة، يقدر بنحو 166.7 مليار جنيه، بزيادة قدرها 32.2 مليار جنيه على المستهدف فى موازنة العام، والذى كان مقدراً بنحو 134.5 مليار جنيه.

وترجع هذه الزيادة إلى الارتفاع فى 3 أبواب رئيسية هى الارتفاع فى باب الأجور نتيجة زيادة المكافآت والإثابة للعاملين بنحو %0.3، وكذلك ارتفاع فوائد الدين، نتيجة زيادة فوائد سندات الخزانة بنحو 10.1 مليار جنيه، لتصل إلى نحو 36.3 مليار جنيه خلال العام المالى الماضى، وكذلك زيادة الفوائد على أذون الخزانة العامة، بنحو 5.3 مليار جنيه لتصل إلى 25 مليار جنيه، إضافة إلى ارتفاع باب الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، نتيجة زيادة دعم المواد البترولية بنحو 27.9 مليار جنيه، لتصل إلى 95.5 مليار جنيه، إضافة إلى زيادة كل من معاش الضمان الاجتماعى، ورفع مساهمات الخزانة العامة فى صناديق المعاشات بنحو 2.8 مليار جنيه.

وعلى صعيد مستهدفات عجز الموازنة خلال العام المالى الحالى، توقع وزير المالية السابق ممتاز السعيد، أن يصل إلى نحو 200 مليار جنيه بنهاية العام.

ولكن مع كل هذه المؤشرات غير المرضية للخبراء، إلا أنهم أكدوا وجود ضوء ما فى نهاية هذا النفق المظلم، فمصر لم تصل بعد إلى مرحلة الإفلاس، سواء من الناحية النظرية كمؤشرات أو من الناحية البشرية، فالخبراء كُثر ويمكنهم تقديم النصح لتخطى الأزمة، لكنهم أكدوا أيضاً أن الحالة المصرية الآن خطرة وتحتاج إلى حرص شديد فى التعامل مع ملفاتها المالية، وكذلك فى حاجة إلى إجراءات سريعة وغير تقليدية.

وفى هذا الإطار أكد الدكتور حازم الببلاوى، نائب رئيس الوزراء، وزير المالية الأسبق، أن الحلول لانقاذ مصر من عثرتها فى يد أصحاب القرار الآن، وهم يتحملون عواقب وتبعات الوصول إلى بر الأمان بها أو إلى نهاية النفق الأكثر إظلاماً، فهم الآن فى اختبار أكثر صعوبة من العامين الماضيين.

وأشار الببلاوى إلى أن الحلول كثيرة وليست من الصعوبة بمكان حتى يتم إغفالها شريطة الحرص على مصلحة هذا البلد، فالأمر لا يحتاج إلا لبرنامج تنموى واضح ومحدد الملامح لتحسين الوضع المصرى، وبذل الجهد لتطبيقه على أرض الواقع.

وقال الببلاوى: كفانا حديثاً عن إفلاس مصر فى هذا التوقيت، فهذا غير صحيح حتى مع تخفيض التصنيف الائتمانى الأخير، فليس أمامنا حل سوى الحلول غير التقليدية، للسيطرة على الوضع المالى.

وقال محمود الشاذلى، رئيس قطاع الموازنة الأسبق بوزارة المالية، إنه يتوقع ارتفاع عجز الموازنة إلى ما بين 210 و220 مليار جنيه مع استقرار الأمور على الوضع الحالى، وهى مرشحة أيضاً للصعود فى حال تدهور الأوضاع على الساحة السياسية.

وأضاف الشاذلى أن على الحكومة الحالية أن تعمل جاهدة على تحقيق الأمن لانعاش القطاعات الأكثر مرونة مثل السياحة، فهى قطاعات يمكن أن تهبط بمنتهى السرعة وتستجيب أيضاً بالصعود بمنتهى السرعة فى حال تحسن الأوضاع.

وأكد الشاذلى أن اللجوء إلى الحلول السهلة مثل زيادة الضرائب أو الاقتراض سيقلل العجز بشكل مؤقت، لكن سرعان ما سيعاود الارتفاع بشكل أكثر نشاطاً بعدها، خصوصاً مع تفاقم معدلات الدين بسبب الاقتراض أو مع الركود بسبب ارتفاع الأسعار.

ونصح الشاذلى بضرورة البحث عن حلول أخرى قد تستغرق بعض الوقت لكن نتائجها فعلية وملموسة على أرض الواقع مثل تنشيط الاستثمارات والابتعاد عن الجهاز المصرفى، الذى انتهكته الخزانة العامة، بسبب طرحها لأدوات الدين من أذون وسندات، مما جعله يحجم عن وظيفته الأساسية وهى تمويل المشروعات الإنتاجية.

وقال الشاذلى: كفانا حديثاً عن مؤشرات كاذبة مثل انتعاش السياحة، وهو ما أعلنه الدكتور محمد مرسى، رئيس الجمهورية، إلا إذا كان يقصد انتعاش السياحة عند قصر الاتحادية فى المظاهرات المطالبة بالتغيير.

وقال عمرو المنير، مستشار وزير المالية السابق، إن المرحلة المقبلة من أخطر المراحل التى مرت بها مصر والوزراء الجدد فى مرحلة اختبار قاس قصير المدة أيضاً لن تمتد أكثر من 6 أشهر.

وطالب المنير باتخاذ خطوات سريعة على المدى القصير تبدأ بإعادة النظر فى النصف الثانى من الموازنة العامة للعام المالى الحالى فى محاولة لإعادة توزيعها على الأبواب الرئيسية بشكل يسمح بالترشيد وضخ السيولة فى مشروعات إنتاجية.

وقال المنير إن تقييد الحكومة الحالية بتوجهات أو فكر مجموعة أو جماعة بعينها سيؤدى إلى عرقلة عملها الذى لابد أن يمتد إلى خطة طويلة الأجل، حتى مع معرفتهم التامة بأنهم وزراء فى حكومة مؤقتة، سيتم تغييرها بعد 4 أو 6 أشهر على الأكثر، فالهدف وضع سياسات طويلة الأجل.

ونصح المنير بضرورة التأنى والدقة فى اختيار الوزراء الجدد لمساعديهم، خاصة أن بعضهم يتولى ملفات غاية فى الخطورة والصعوبة معاً، فتغيير المسئولين عن هذه الملفات حالياً لن يكون فى مصلحة أحد.

وقدم المنير نصيحة لوزير المالية الجديد، بضرورة إلغاء التعديلات الضريبية الأخيرة، والبحث عن بدائل حقيقية لتوفير حيز مالى، يمكن الدولة من تخطى أزمتها، بدلاً من الحلول السهلة التى تفاقم العجز.

وقال إن الحلول المالية التى يجب أن تبحث عنها الحكومة يجب أن تسبقها خطوة لن يقوم بها إلا رئيس الجمهورية من خلال مد يده إلى كل أطياف الشعب، وألا يعمل لحساب فئة على حساب الأخرى لتحقيق الاستقرار الذى لا تنجح أى خطط مالية أو استثمارية من دونه، مشيراً إلى ضرورة عدم إجبار المجتمع المصرى على آليات محددة، دون حوار وطنى حقيقى، وليس حواراً مزعوماً يعقب اتخاذ القرار وانفاذه فعلاً.

وشدد علاء سماحة، مستشار وزير المالية الأسبق، على ضرورة إجراء مصالحة وطنية مع كل أطياف الشعب المصرى، حتى يتحقق النمو وهوالدور الذى يجب أن يتحمله الدكتور محمد مرسى، رئيس الجمهورية، لكى يعمل كرئيس للجميع وليس رئيساً لأهله وعشيرته فقط، وهو الحل الوحيد لانقاذ مصر من الإفلاس.

أما من الناحية المالية فقال سماحة إن المعطيات التى تدخل بها مصر عام 2013 ليست مبشرة بأى شكل من الأشكال لكن المصالحة الوطنية ستجعل المواطن يتحمل أى زيادة فى الأعباء، شريطة أن تكون مؤقتة ومحددة المدة أيضاً.

وأضاف سماحة أن اختيارات الوزراء الجدد تحمل فى طياتها الاختيار وفقاً لأهل الثقة وليس أهل الكفاءة وهو ما يلقى بظلال من الشك على نية هذه الحكومة انقاذ مصر من عثرتها.

ونصح سماحة بضرورة اتخاذ خطوات فى اتجاه تنشيط السياحة وعوائد قناة السويس، إضافة إلى ضرورة تنشيط علاقتنا بالدول العربية حتى تمد يد العون للحكومة المصرية.

يذكر أن عجز الموازنة العامة للنصف الأول من العام المالى الحالى 2013/2012 نحو 90 مليار جنيه.

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة