لايف

نصر حامد أبوزيد‮.. ‬العودة الأخيرة


كتبت ـ ناني محمد:
 
واخيرا انهي المفكر الكبير الدكتور نصر حامد ابوزيد رحلة اغترابه الاجبارية، ليعود اخيرا الي تراب الوطن.. عودة نهائية، لا يستطيع احد، من كارهي وافكاره تنغيصها عليه، كما سبق ان فعلوا، فأمس الاول احتوي تراب قرية قحافة بالغربية جثمان الاكاديمي والمفكر الكبير بعد ان وافته المنية بعد رحلة قصيرة مع المرض.

 
l
 
نصر حامد أبو زيد  
رحلة ابوزيد الاخيرة هزت الاوساط الثقافية المصرية التي طالما نظرت اليه وما عاناه من تكفير واغتراب اجباري علي انه رمز لمأزق المثقف المصري في مجتمع لا يطيق حرية البحث والرأي.
 
»خسارة فادحة علي المستوي الاكاديمي او الفكري« بتلك الكلمات اعرب الدكتور مصطفي النبراوي، الكاتب والناشط الحقوقي عن حزنه لوفاة الدكتور نصر حامد ابوزيد، الذي اعتبره صاحب مدرسة فريدة ومتميزة في اعمال العقل والتفسير العلمي للنص المقدس، وهي المدرسة التي اصبح لها العديد من التلاميذ في مصر وخارجها، وهم التلاميذ الذين سيستكملون مسيرته الفكرية والاكاديمية بعد وفاته.
 
ولفت »النبراوي« الي ان ابوزيد كان دائما شامخا حتي في اشد ازماته، خاصة في ازمة تكفيره وتطليقه قسرا من زوجته، تلك الازمة التي فضحت ما تعانيه الجامعات المصرية من ضيق افق وخلط بين الشخصي والعام.
 
من جانبه، شدد الكاتب الليبرالي كمال غبريال علي الشجاعة الهائلة التي واجه بها ابوزيد وزوجته ما تعرضا له من تكفير له ومحاولات للتفريق بينهما من قبل اهل وطنهما، ما اضطرهما للجوء للغربة، وفي ظل كل تلك الظروف كان ابوزيد مثالا للشموخ والصمود في مواجهة الافكار الظلامية التي استهدفته.
 
واوضح غبريال ان اهم ما يميز مشوار حامد ابوزيد هو ما قدمه من خلال كتابه »نقد الخطاب الديني« الذي قام علي فكرة التفسير والتأويل للنصوص الدينية والمقدسة، وكيفية فهم المقاصد العليا لها، حتي يتم التواصل العميق مع النص، وهكذا اوضح الدكتور نصر حامد ابوزيد للعالم كله كيفية التعامل مع النصوص التراثية والتاريخية والمقدسة، لكنه لاقي في المقابل تكفيرا وغربة واحزانا طويلة، وقف في وجهها صامدا شامخا، وانهي غبريال حديثه بالتأكيد علي ان الاستنارة والحداثة فقدتا رجلا من الصعب تعويضه.
 
اما الدكتور كمال مغيث، الكاتب والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، فقد اشار الي ان الدكتور نصر حامد ابوزيد نموذج للمثقف المصري الملتزم، الذي اضطر لخوض نفس الصراعات الضارية التي مر بها المثقفون المصريون الكبار، الذين اسسوا الثقافة المصرية الحديثة، بداية من رفاعة رافع الطهطاوي، مرورا بالشيخ علي عبدالرازق ومحمد عبده واحمد لطفي السيد، وطه حسين، ووصولا لفقيدنا الكبير ابوزيد، كل تلك القامات قاتلت وصارعت وصنعت انتصارات الثقافة المصرية، واضطرت لتحمل محاربة الجهلاء وصمدوا امام التيارات الفكرية المتطرفة.
 
واكد مغيث ان كفة ميزان قيمة ابوزيد تزداد ثقلا وقيمة اذا علمنا انه خرج من اسرة فقيرة، مما اضطره للعمل كعامل فني لاسلكي لينفق علي عائلته، ورغم ذلك كان لديه الطموح والارادة لكي يصل لاقصي حدود الدراسة والبحث الاكاديميين.
 
واوضح مغيث ان منهج الدكتور نصر حامد ابوزيد كان قائما علي تجاوز المناهج التقليدية السائدة في التعامل مع النصوص المقدسة، فالتعامل مع هذه النصوص قبله كان يتم وفق ثلاثة مناهج، الاول قائم علي تقبل التفسيرات الموروثة لهذه النصوص، دون اي اجتهادات تستفيد من المكتسبات العلمية الحديثة في التعامل مع النصوص والمنهج الثاني يقوم علي عدم الاكتراث بهذه النصوص والانعتاق التام من احكامها والانطلاق للعيش حسب مقتضيات العصر، اما الطريقة الثالثة فقامت علي ما يمكن اعتباره التعامل الانتهازي مع النص، فما ينفعنا منه اخذناه، وما يضر بمصالحنا في الحياة تركناه، وهذا ما حاربه الدكتور نصر طوال حياته لانه استحدث منهجا رابعا للتعامل مع النصوص، يتمثل في الاهتداء لحلول واخضاع النص للتفسير والتأويل الدائم من اجل الوصول الي حلول متماسكة ومتسقة مع النص والحياة معا، وهذا بالضبط هو السبب في محنته مع اصحاب الخطاب الديني المتطرف.
 
واختتم الدكتور كمال مغيث حديثه قائلا »الدكتور نصر حامد ابوزيد سيظل علامة مضيئة في تاريخ الثقافة العربية، وستظل تجربته هي الدليل الواضح والتعبير الصارخ عما يعانيه الضمير والوعي المصري، والفساد الذي اجبر رجلا عظيما علي الغربة وقضاء آخر ايامه بعيدا عن بلده ووطنه رغم ما قدمه من علم، وذلك لان البعض قد تخلوا عن عقولهم للطغيان والتطرف والاستبداد.
 
أما الكاتب والناقد الدكتور صلاح الراوي فقال إن الدكتور ابوزيد كان رفيق عمره منذ تزاملهما في الجامعة، ورغم شعور المنافسة الذي يسود بين المثقفين، فإن الدكتور نصر كان يحظي باعجاب الجميع، فقد كان مشهودا له بالتميز، وكان يتمتع بعقلية مدققة وحادة الذكاء منذ ان كان طالبا في كلية اللغة العربية، كما انه صار نموذجا فريدا في مجال الدراسات الاسلامية، لكنه للاسف تعرض للتكفير واضطر للعيش في الغربة، وهو ما مثل خسارة تاريخية كبري لمصر التي اضطرت الي ان تبعد عن احضانها ابنا مثل الدكتور نصر حامد ابوزيد في ذروة قدرته علي العطاء، وبرحيله عن دنيانا تكتمل تلك الخسارة الكبري.
 
واكد الكاتب الليبرالي صبري سعيد أن نصر ابوزيد يعد واحدا من اهم الاعمدة التي قام عليها الفكر التنويري الحديث في مصر، نظرا لما تمتع به من اراء واحكام منضبطة ومنهجية.
 
واشار سعيد الي ان ابوزيد لم يكن اسيرا لايديولوجية معينة واستطاع كسر التابوهات في عالم النقد والابداع الفكري، وكثيرا ما انبري للتصدي للافكار الظلامية من خلال كتاباته، مواجها التيارات السلفية التي تعاملت مع افكاره بسطحية وتطرف وصل الي حد التكفير.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة