اقتصاد وأسواق

حرب‮ »‬أمريكية‮ - ‬أوروبية‮« ‬ضد احتكار الشركات الكبري سوق الدواء


إعداد - أيمن عزام
 
تقف الحكومات في الولايات المتحدة وأوروبا بالمرصاد لجميع الحيل التي تلجأ إليها الشركات المنتجة للأدوية الأصلية لمد تمتعها بحق براءة الاختراع وتستهدف هذه الحكومات مكافحة الاحتكار وحماية المستهلكين، ومنحهم فرصة الحصول علي دواء أرخص.

 
ويتجه الكونجرس الأمريكي لإقرار قانون يقضي ببطلان عقود بقيمة مليارات الدولارات فيما بين الشركات المنتجة لأدوية أصلية والمنتجة لأدوية مقلدة »GENERIC « وهي ممارسات، علي حد قول أحد المشرعين الأمريكيين، أكثر الأنشطة فساداً في القطاع، قد يؤدي هذا التشريع إلي انهاء صفقات اعتادت الدخول فيها كبري الشركات المنتجة لأدوية أصلية وأخري مقلدة.
 
وكانت الصفقات المشبوهة قد لفتت انتباه المفوضية الأوروبية التي انشغلت بملاحقة هذه الصفقات، وأدان حكم قضائي صدر مؤخراً ممارسات شركة »ASTRAZENECA « لصناعة الأدوية وقضي بتغريمها مبلغاً كبيراً من المال.
 
ويعتقد المحامون أن هذا الحكم ساهم في تعزيز سلطة الجهات الرقابية في الاتحاد الأوروبي ودعم قدرته علي مكافحة هذه الممارسات دون الحاجة لإصدار تشريعات أوروبية جديدة، ويري الكثير من الخبراء أن هذه الصفقات تعد أكثر انتشاراً في الولايات المتحدة عنها في الاتحاد الأوروبي.
 
ويعتقد جون ليبوتز، رئيس مجلس إدارة مفوضية التجارة الفيدرالية، أن مثل هذه الصفقات تشكل خرقاً لقوانين مكافحة الاحتكار وتضر بالمستهلكين، لكونها الأكثر فسادا في قطاع الرعاية الصحية، وتتسبب في تكبيد المستهلكين الذين يضطرون لشراء أدوية غالية الثمن خسائر تقدر بمليارات الدولارات.
 
وأضاف أن هذه الصفقات تدفع الشركات المنتجة للأدوية المقلدة لقبول تسوية نزاعها مع الشركات المنتجة للأدوية الأصلية خارج ساحات القضاء عند انتهاء فترة سريان براءة اختراع الدواء الأصلي، وتحول حقوق إنتاجه لأي شركات أدوية أخري بالإضافة إلي الشركة الأصلية.
 
وقامت الشركات الأصلية بتوجيه سيل من الانتقادات للقانون، وأشارت إلي أن التسويات التي تجريها مع الشركات المنتجة لأدوية مقلدة خارج المحكمة تلغي الحاجة لتكبد التكاليف الباهظة اللازمة لاستكمال إجراءات التقاضي كما أنها لا تحرم الأخيرة من دخول السوق لاحقاً.
 
ويقدر مكتب الميزانية التابع للكونجرس الأمريكي أن يوفر تمرير القانون علي الحكومة الفيدرالية تكاليف تقدر بنحو 2.4 مليار دولار خلال الـ10 سنوات المقبلة.
 
وكانت محكمة أوروبية قد قضت بتغريم شركة »أستارازينكا« »ASTRAZENACA « للأدوية نحو 64.2 مليون دولار لاستخدامها حيلاً تستهدف منع شركات الأدوية من إنتاج أدوية مقلدة لدواء »LOSEC « المضاد لقرحة المعدة وحرمانها من دخول السوق، في إشارة إلي زيادة تصميم أوروبا علي مكافحة الأساليب التي اعتادت هذه الشركات اللجوء إليها وتستهدف بيع أدوية بأسعار باهظة لأنظمة العلاج التابعة للدولة والمشترين الآخرين.
 
وذكرت المحكمة العامة في الاتحاد الأوروبي أن شركة »استرازينكا« تعمدت تضليل سلطات براءة الاخترع الأوروبية بغرض تمديد فترة تمتعها بحقوق براءة اختراع دواء »LOSEC « وأنها طلبت من السلطات الطبية عدم إصدار تصريح يتيح بيع الدواء نفسه في صورة كبسولة بغرض منع شركات الأدوية الأخري من إنتاج نسخ مقلدة من الدواء الأصلي.
 
ويتم تداول الدواء في الولايات المتحدة تحت اسم »PRILOSEC « ويحقق مبيعات عالمية بقيمة 6 مليارات دولار في ذروة صعود الطلب عليه عام 2000، وهو ما رشحه لتحقيق أكبر مبيعات عالمية وقتها.
 
وذكرت المحكمة أن الشركة انخرطت في أنشطة احتكارية خلال الفترة ما بين أعوام 1993 و2000، وسعت من ورائهاالي إبعاد شركات الدواء البديل عن دخول السوق. وتم تداول نسخ مقلدة من الدواء في أوروبا والولايات المتحدة بعد عام 2000، مما أدي إلي تراجع مبيعات الشركة الأصلية.
 
وقامت المفوضية الأوروبية بتصعيد جهودها الرامية لتعقب أي ممارسات احتكارية ترتكبها شركات الأدوية الكبري خلال السنوات القليلة الماضية، حيث توصلت بعد تحقيق بدأته في عام 2008 إلي أن هذه الشركات قد رفعت دعاوي قضائية تستهدف حرمان الشركات الأخري من دخول السوق، وأبرمت اتفاقيات مع شركات الأدوية المقلدة تقتضي عدم طرح منتجاتها في السوق لفترة زمنية معينة نظير الحصول علي مبالغ مالية تقدر بنحو 200 مليون يورو خلال الفترة من 2000 إلي 2007 نتيجة إبرام نحو 20 اتفاقاً، وهو ما تسبب في تكبيد النظام الأوروبي للرعاية الصحية نحو 3 مليارات يورو.
 
وذكرت نيقولا داج، محامية حقوق الملكية الفكرية لدي شركة »الآن & أوفي« بلندن أن الحكم الأخير ضد الشركة سيدعم من قبضة المفوضية، ويزيد من قدرتها علي تنظيم القطاع ودفع  الشركات للتفكير جيداً قبل الإقدام علي أي خطوة من شأنها  التحايل علي قوانين مكافحة الاحتكار.
 
وذكرت المحكمة أن الشركة نجحت في تمديد فترة براءة الاختراع بغير حق في بعض البلدان الأوروبية عن طريق إبلاغ السلطات بأنها حصلت أولا علي الموافقة علي بيع »LOSEC « في أوروبا في عام 1988 لكنها أخفت حقيقة حصولها علي التصريح الأول من فرنسا في عام 1987.
 
وطلبت الشركة من بعض الدول الأوروبية وقف التصريح ببيع كبسولة »LOSEC « وعرضت أقراصاً جديدة بدلا منها حتي يتسني لها وقف بيع أي نسخة مقلدة، عندما سعت شركات الأدوية المقلدة إلي طرح نسخ مقلدة في شكل كبسولات، استناداً إلي أن القانون يتيح للأخيرة طرح نسخ مقلدة في حال استمرار سريان التصريح بطرح الدواء الأصلي.
 
وتعقبت السلطات في الولايات المتحدة أنشطة الشركة هناك وتبين أن الأخيرة أبرمت صفقة في عام 2008 مع شركة »رانباكي« الهندية تقضي بوقف طرح نسخ مقلدة من دواء »NEXIUM « المقلدة في السوق الأمريكية حتي عام 2014 نظير حصول الشركة الهندية علي عقود مجزية، لكن »استرازينكا« نفت وجود  علاقة فيما بين الصفقتين.
 
ولا تتوقف شركات الدواء الأصلية عن ابتداع حيل جديدة لوقف طرح أي أدوية بديلة، خصوصاً أنها تعتقد أن تراجع أرباحها نتيجة طرح هذه الأدوية البديلة يقلل من إنفاقها علي البحوث والتطوير كما يعوق قدرتها علي التوصل لاستحداث أدوية جديدة يكون المرضي في أشد الحاجة إليها.
 
ومثال ذلك لجوء شركة »سانوفي - اوفانتس« »SANOFI - AVENTIS « المنتجة لعقار لوفينكس »LOVENOS « بالتقدم بطلب للجهات الرقابية  الفيدرالية في الولايات المتحدة لوقف منح ترخيص بتداول عقار بديل، ويشكل الطلب الأخير هو أحدث محاولات الشركة لمنع طرح نسخ مقلدة من العقار في السوق الأمريكية خصوصا بعد تحقيقه مبيعات بقيمة 4.57 مليار دولار في عام 2009.
 
وحرصت الشركة علي عدم تقديم الطلب بنفسها بل عبر جهة طبية محايدة حتي يمكنها اقناع الجهات الرقابية الأمريكية بأن الدعوي ليست كيدية، وأن هدفها لا ينحصر في تحقيق مصلحة الشركة، لكنه تبين بعد قيام باحث طبي ومحاضر في جامعة ديوك الأمريكية وجماعتين طبيتين بتقديم الطلب في الشهر الماضي، أن الجماعتين تربطهما صلات مالية بالشركة.
 
وأرسلت »جماعة طبية« أخري مطلع العام الحالي خطابين يعارضان طرح الدواء البديل لأسباب طبية، لكنهما لم يشتملا علي أي إشارة للصلات المالية التي تربطها بالشركة.
 
وكانت شركتان صغيرتان هما »أمبفستار« و»مومنتا« قد تقدمتا للجهات الرقابية الأمريكية في عامي 2003 و2005 بطلبين لبيع نسخة مقلدة من العقار في السوق  الأمريكية، لكنه لم يتم البت في الطلب حتي الآن.
 
وتضمن الخطابان إدراج شكوي مواطن تقدمت بها شركة سانوفي في عام 2003، استناداً علي أن السلطات الأمريكية تستجيب في العادة لشكاوي المواطنين، وتتجه بناء علي ذلك لاشتراط توافر معايير معينة إضافية قبل الموافقة علي طرح نسخة مقلدة.
 
ووجهت الجماعات المدافعة عن المرضي وأعضاء في الكونجرس انتقادات لشركات الأدوية الأصلية لتعمدها تأخير موافقة السلطات الأمريكية علي العقار البديل عن طريق التقدم بالمزيد من هذه الشكاوي.
 
ورغم أن شركة »سانوفي« أصبحت لا تتمتع بالحماية التي توفرها براءة اختراعها للعقار لكن السلطات الأمريكية لم تصدر بعد تصريح ببيع عقار بديل حتي الآن، رغماً عن أن قانون الرعاية الصحية الذي صدر في شهر مارس الماضي يعطي الحق بطرح دواء بديل بعد الحصول علي تصريح، رغم أن هذا العقار تم تصنيعه باستخدام التكنولوجيا الحيوية المستحدثة، وهو ما يزيد من صعوبة إعادة تصنيعه بواسطة شركات الدواء البديل وتلبيته لاشتراطات الجهات الرقابية.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة