سيـــاســة

نحو تعليم مستقل


التعليم من القطاعات الاستراتيجية في أي دولة، وعندما سمحنا للمدارس الأجنبية بأن تدخل البلاد لتعلم ابناءنا ثقافات مختلفة وتتعامل مع التاريخ من وجهة نظر أخري، اعترضنا علي أساس أن الأجيال المقبلة ستفتقد التجانس فيما بينها، وتنتهي في لحظة ما الهوية المصرية، بل تتقسم البلاد ثقافيا بين مجموعات بعضها ينتمي الي ثقافة أمريكية وأخري الي ثقافة بريطانية وأخري فرنسية؛ فلا يربط ابناء الوطن الواحد اهم شيء يشكل الوطن، وهو الهوية القومية.

 
واليوم يخرج علينا خبر في إحدي الصحف عن اقتراح من الدكتور احمد زويل يدعو الي اقامة شراكة عالمية بهدف إنشاء صندوق لتمويل التعليم في مصر بقيمة مليار دولار، ويمضي »زويل« في المقال الذي نشره في صحيفة الفاينانشيال تايمز البريطانية ان هذا الصندوق يدار من خلال مجلس أمناء يضم شخصيات مصرية وقادة من العالم، علي ان يتم إرسال الاموال من خلال البنك الدولي وصندوق النقد العربي والبنك الاسلامي للتنمية.

 
من هذا الخبر يمكن ان نستنتج ان اقتراح »زويل« سوف يؤدي بالتعليم في مصر لأن يفقد هويته المصرية الي الابد؛ فإن من يمول بالضرورة هو الذي سيفرض رؤيته علي من يتلقي التمويل، وتعليم ممول من الخارج يعني تعليمًا فقد استقلاليته الوطنية، واصبح تحت رعاية دولية تفرض علي الحكومة المصرية رؤية خاصة لتاريخ البلاد. فكما تفرض اسرائيل علي سبيل المثال، دراسة المحرقة النازية كموضوع اجباري علي مناهج التعليم في اوروبا ستفرض جهات التمويل علي مصر اضافة موضوعات ورؤي محددة علي تعليمنا. وان رفضت الحكومة المصرية في أي وقت توجهًا معينًا يصبح من حق الصندوق والممولين قطع المعونة.

 
إن سِرَّ عظمة دولة مثل الصين انها قررت دائما أن تعتمد علي نفسها في التنمية؛ حتي عندما اصابتها كارثة زلزال مدمر قضي علي قري بأكملها، رفضت معونات من الخارج ودعت ابناءها الي الاعتماد علي أنفسهم لاعادة بناء تلك القري. وتعلم الشعب انه هو صاحب قراره من البداية الي النهاية، وقادر علي الاستغناء عن المعونة الاجنبية التي تأتيه مغلفة بالكثير من إبداء حسن النوايا ولكنها في الحقيقة هي محاولة للسيطرة علي المدي الطويل.

 
لذلك يجب ان نعرف ان العالم لن يساعدنا بلا مقابل، وأن القروض التي تنهال علينا هي قيود من ذهب، من شأنها دفعنا الي الاعتماد عليها، وبعدها نضطر الي دفع الثمن باهظًا، ليس فقط في محاولات تسديد القرض وفوائده، بل قد نضطر الي الاستغناء عن الكثير من استقلالنا القومي والتنازل عن هويتنا من أجل المزيد والمزيد من التمويل. إن أردنا أن نبدأ بداية صحيحة فعلينا أن نعتمد علي أنفسنا في تحقيق التنمية والنهضة، ونحن قادرون ونملك كل المقومات المادية والمعنوية والثقافية والعلمية من أجل تحقيق تلك النهضة.

 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة