اقتصاد وأسواق

الريح‮ .. ‬والبلاط الاعتذار يكون‮ »‬عن الكتابة‮« ‬وليس العكس‮!‬


بعض الكُتاب »يعتذرون« للقراء عن »عدم الكتابة« في اليوم الذي يسعد فيه القراء باختفاء المقال المُعتذر عنه من صفحات الصحيفة التي يشتريها هؤلاء لأسباب أخري ليس بينها مقال الكاتب المعتذِر، وإن كان وجود عمود هذا الكاتب علي صفحات الصحيفة من قبيل »الابتلاء« الذي يجازَي الناس للصبر عليه ما دام أصحاب الجريدة أو قياداتها لا يريدون الاعتذار للقراء عما يكتبه الكاتب.. وليس العكس!

بعض الصحف تتصور خطأً بأن رؤساء مجالس إداراتها من حقهم أن يكتبوا، ومعهم رؤساء التحرير الذين يتصورون لأنفسهم الحق ذاته، مع أن »الكتابة قدرة خاصة« لا علاقة لها بمنصب الكاتب أو وظيفته، بل أكاد أقول إنها منحة إلهية لبعض الناس بمنطق »أن كلاً ميسرً لما خلق له«، فالجرَّاح الشاطر مثلا رغم أصابعه المخلوقة لدقة الجراحة لا يصلح أن يكون عازف بيانو بارعاً ،رغم تشابه دقة الأصابع ورقتها - ذلك أن الفرق هائل بين العزف علي الأوتار - وأنامل الجراح التي تتحرك بالمشرط في جسد مريض ترك حياته كلها أمانة بين تلك الأنامل العازفة بالمشرط!

ومن مآسي الحياة أن يفرَض عليك كاتب لا تطيق بلاهة أفكاره، ولا نفاقه الفاقع لجهة ما، ولا تودده المكشوف للسلطة، ولا تلونه »الحربائي« كل فترة بين جهة تكشف كلماته عنها حجم المدفوع، فإذا امتنعت أو توقفت »اللحاليح« بدا ذلك واضحاً في كتاباته »عندما يقلب لها ظهر المجن« حسبما يقول العرب، وقد بدا ذلك واضحاً، بل فاقعا، عندما فوجئ هؤلاء - مثلما فوجئت السلطة تماماً - بثورة 25 يناير القادمة من ميدان التحرير، حيث وقعوا في »حيص بيص«!

ومن أفضال الخالق علي الإنسان أن خلقه »بجلد واحد« غير قابل للتغيير، يكبر معه، ويغطي كل أطرافه من لحظة الميلاد إلي لحظة الرحيل، مهما زاد حجم المخلوق أضعاف أضعاف الحجم الذي ولد به، وتلك حكمة لها العديد من المعاني التي من بينها »رمزيات« تؤكد »الأصالة« أو تؤكد »الندالة«، والفرق بين الاثنتين تصنعه تربية الأمهات في البيوت، وأساتذة المدارس والجامعات ومعها جميعاً شوارع الحياة، ليأتي مجموع ذلك كله بالإنسان!

ولعل أكثر ما كان يمثل لي »ازعاجاً شخصياً« طوال »حكام العسكر« منذ يوليو 52 حتي فبراير 2011 هو تعاملهم المتعالي معنا من خلال كتّابهم في الصحف القومية التي كانت تخاطب المصريين باعتبارهم »مجموعة من الكراسي« وليسوا بشراً لهم عقول تفهم وتفسر، وذلك ما كان يدفع بأجهزة الأمن لديهم إلي اعتبار كل من هؤلاء أعداءً للنظام يحتاجون لإعادة التربية من جديد داخل المعتقلات أي أن كُتّاب تلك الحقب المظلمة من تاريخ مصر كانوا شركاء في الخديعة وتضليل الرأي العام، وهم أكثر الذين ملأت كتاباتهم قلوب المصريين جميعاً بالكراهية لحكامهم إلي أن حانت لحظة »الانفجار«!

يتبقي بعد ذلك »اسمك« في قلوب من يقرؤون لك، لا ينسونه أبداً - حتي لو توقفت - فالناس لا تنسي أبداً من تبني قضاياها، وقال »كلمة الحق عند سلطان جائر«، ودفع ثمن ما كتب - بالمنع أو بالاعتقال - أو بالمطاردة في الرزق، حيث يعتبر الكاتب الملتزم أن كل ما يجري له جزء من »المقادير«، واختبارات في الصبر علي المكاره سوف يجازَي عنها - إن لم يكن في الدنيا - ففي الموقف الذي يستمع فيه الخلق جميعاً إلي صيحة: لا ظلم اليوم!

إن عدداً كبيراً من الذين يكتبون في مصر أولي بهم سوق الخضار، أو سلخانة المدبح، ليبقي بعد ذلك أن ثورة يناير التي فاجأت الجميع - المنافقين والمحترمين - أضافت إلي »المنافقين« حيرة وعبء تغيير الجلود، وكلها ألاعيب مكشوفة أدت وسوف تؤدي يوماً بعد يوم إلي »تطهير« الساحة الصحفية مما لحق بها لسنين طويلة، كما أن الثورة نفسها قد وضعت - دون قرار جمهوري - قلادة النيل علي صدور كل الذين تحملوا طويلاً ضريبة »قولة الحق«!
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة