اقتصاد وأسواق

الانتفاضة الشعبية تكشف ضعف الاقتصاد السوري






إعداد - نهال صلاح

 

 
تكشف حركة الاحتجاجات التي تهز سوريا منذ ما يزيد علي الشهر، ورد الفعل الوحشي عليها من جانب قوات الأمن، نقاط الضعف في الاقتصاد السوري.

 
ذكرت جريدة الفاينانشيال تايمز البريطانية أن عقودًا من التخطيط المركزي تحت حكم حزب البعث قد ترك في سوريا صناعات تنافسية قليلة، وأعداداً من البطالة شديدة الارتفاع، ووفقًا للتقديرات الرسمية فقد وصل معدل البطالة إلي حوال %8، لكن المحللين يقولون إن الرقم الحقيقي أكبر من ذلك بكثير.

 
وذكر جوشوا لانديس، الخبير السوري لدي جامعة أوكلاهوما، أن خطة الحكومة السورية كانت تعتمد علي الاستثمار الأجنبي والسياحة، وكلاهما لا ينتعشان إذا قامت حرب أهلية، وفي النهاية فإن الاقتصاد سوف ينهار.

 
وقد أطلق الرئيس السوري، بشار الأسد، برنامج تحرير الاقتصاد السوري في عام 2006 بهدف تحويل الاقتصاد المركزي للبلاد نحو درجة أكبر من السوق الحرة، وتم تقديم بعض الإصلاحات الاقتصادية، من بينها إنشاء سوق الأوراق المالية، وفتح القطاع المصرفي أمام البنوك الخاصة. ولكن عجز الموازنة المتزايد ونقص المياه وانخفاض إنتاج النفط وارتفاع البطالة، هذه المشكلات أعاقت جميعها النمو الاقتصادي، ففي شرق سوريا علي سبيل المثال ساعد نقص هطول الأمطار علي مدي 5 سنوات في انحدار 800 ألف شخص نحو الفقر المدقع، وذلك وفقًا لتقرير الأمم المتحدة لعام 2010.

 
وقد ألقي »الأسد« باللائمة في الضائقة الاقتصادية التي تمر بها البلاد علي تضخم الأسعار العالمية للسلع الغذائية، بالإضافة إلي تدفق المهاجرين العراقيين خلال الأعوام الأخيرة، وقد أضافت جميع هذه العوامل ضغوطًا علي الاقتصاد.

 
ولكن يقول منتقدو النظام إن تحرير الاقتصاد قد أفاد مجموعة من صفوة رجال الأعمال، مثل رامي مخلوف، قريب الرئيس بشار الأسد، الذي يتحكم في حجم كبير من الاقتصاد، بما فيها شركة سوريا تل، التي تقوم بتشغيل شبكة الهواتف المحمولة في البلاد.

 
يأتي ذلك رغم أن اقتصاد البلاد الذي تتحكم فيه الدولة، لم يكن مساعدًا للاستثمار الأجنبي، والذي ابتعد عن الوجود في سوريا نتيجة الروتين الحكومي والبيروقراطية، وعدم الكفاءة، والتدخل السياسي.

 
وقد استعادت الحكومة السيطرة علي الصناعات الاستراتيجية مثل إنتاج النفط وعملية التكرير والاتصالات السلكية واللاسلكية، والنقل الجوي، وتوليد الطاقة، بالإضافة إلي أسعار البضائع الزراعية الرئيسية.

 
وتأتي سوريا إلي المركز 144 من بين 183 دولة في أحدث تقرير للبنك الدولي، حول مدي سهولة إجراء الأعمال التجارية، بينما يقول كتاب الحقيقة العالمي، لوكالة المخابرات الأمريكية »سي آي إيه« إن الأمر يتطلب القيام بـ 26 إجراءًا لبناء مخزن في سوريا.

 
ومع ذلك، ففي الأعوام الأخيرة ومع تحسن العلاقات الدبلوماسية لسوريا مع الغرب والقوي الإقليمية مثل المملكة العربية السعودية، أصبح هناك مبرر لوجود أمل في احتمال تحقيق »الأسد« هدف النمو بنسبة %5 المطلوب لتوليد وظائف جديدة كل عام، والتي توجد حاجة شديدة إلي توافرها عبر تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر، وجلب 12 مليون سائح سنويا، وكانت السياحة قد زادت بنسبة %40 في العام الماضي، حيث ساهمت بما يقدر بـ %15 من الناتج المحلي الإجمالي، وأنتجت إيرادات يصل مقدارها إلي أكثر من 7 مليارات دولار.

 
والآن فإن الفنادق في كل من دمشق وحلب خالية تقريبًا، بالتزامن مع بث شاشات التليفزيون في أنحاء العالم صورًا للاحتجاجات والهجمات العنيفة من جانب قوات الأمن، كما تم تأجيل مزاد لمنح رخصة لشركة ثالثة للهواتف المحمولة، والذي كان مقررًا إجراؤه الشهر الحالي، وشوهد علي أنه بمثابة مؤشر رئيسي علي اهتمام الشركات الأجنبية بالسوق السورية إلي أجل غير مسمي بعد انسحاب 3 شركات. وأضافت صحيفة الفاينانشيال تايمز إن التجارة عبر الحدود قد تعرضت أيضًا لأضرار شديدة، نتيجة تأخير عمليات النقل بسبب إغلاق الطرق لدواع أمنية، وذكر أفو توتو نجيان، وهو رجل أعمال لبناني يقوم بتصدير بضائع كهربائية إلي سوريا، أنه قام بإبطاء ضخ استثمارات جديدة مع شركاء سوريين، موضحًا أنه الآن في مرحلة المراقبة والانتظار. وهناك أيضًا مخاوف واسعة الانتشار من أن تؤدي الإجراءات الاقتصادية الشعبية التي قدمها الرئيس بشار الأسد، في وقت سابق من العام الحالي، مثل الزيادات في الأجور للعمال في القطاع العام، إلي زيادة عجز الموازنة لمستويات لا يمكن تخيلها، كما هبط الجنيه السوري قليلا أمام الدولار في السوق السوداء منذ بدء الاحتجاجات، ورغم ذلك فإنه يعتقد أن وقف ارتفاعه بدرجة أكبر سوف يكون علي حساب تكلفة مرتفعة يتحملها البنك المركزي.

 
ويقول المحللون الاقتصاديون إنه مع ندرة البيانات المتاحة بشكل عام، فإنه من الصعوبة تقييم الحجم الصحيح للتأثير الاقتصادي للانتفاضة الشعبية، ولكن مقدرة سوريا علي استيعابها ليست بلا نهاية.

 
وأوضح سمير سيف ا لدين، المستشار الاقتصادي المستقل، أنها تعتمد علي مدي استمرار هذه الانتفاضة، فإذا كانت لمدة أسابيع قليلة فحسب، فإنه يمكن التحكم بالأمور دون وجود درجة كبيرة من الصعوبة، ولكن إذا استمرت لمزيد من الوقت، فإن تقدير تبعاتها الاقتصادية غير معروف.

 

 

 

 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة