بنـــوك

تراجع التصنيف الائتمانى وجنون الدولار يعمقان جراح الاعتمادات المستندية


أمانى زاهر

جاء تخفيض التصنيف الائتمانى طويل الأمد للاقتصاد المحلى من قبل مؤسسة ستاندرد آند بورز إلى -B بنظرة مستقبلية سلبية يوم الاثنين الماضى، ليعمق من جراح نشاط الاعتمادات المستندية بالبنوك الذى يعانى من مشاكل تذبذب أسعار صرف العملات الاجنبية أمام الجنيه وتراجع النشاط التجارى اثر استمرار الاضطرابات السياسية .

 
وأكد عدد من المصرفيين الآثار السلبية الناجمة عن تخفيض التصنيف الائتمانى بدءاً من تراجع الحدود الائتمانية الممنوحة للدولة لكل مما يؤثر على نصيب البنوك، بالإضافة إلى صعوبة وارتفاع تكلفة تعزيز الاعتمادات واشتراط ربط ودائع تعادل قيمة الاعتمادات بالكامل .

وتوقعوا تراجع التسهيلات الممنوحة للمستوردين واشتراط دفع الاعتماد بمجرد الاخطار دون استخدام الاعتمادات الآجلة التى كانت تمنح فرصة للمستوردين للسداد .

وأكدوا ضرورة الحد من استيراد السلع الكمالية والاستفزازية لتخفيف الضغط على السيولة الدولارية التى تعانى جراء تراجع موارد الدولة من العملة الأجنبية وانخفاض الاحتياطى الاجنبى للدولة، رافضين رفع نسبة الغطاء النقدى إلى 100 % على جميع السلع المستوردة كوسيلة للحد من الاستيراد حتى لا ترتفع الأسعار، موضحين أن هناك فجوة فى الانتاج المحلى لا تغنى عن الاستيراد من الخارج .

 فى هذا الصدد وصف أكرم نجيب، رئيس تسويق التمويل التجارى وإدارة الأموال ونائب رئيس مجلس الإدارة فى بنك المؤسسة العربية المصرفية، آثار تخفيض التصنيف الائتمانى لمصر على نشاط الاعتمادات المستندية بالأسوأ على النشاط منذ اندلاع الثورة .

وتوقع ارتفاع تكلفة تعزيز الاعتمادات المستندية فى الخارج انعكاساً لتراجع التصنيف بنسب تتراوح بين 0.5 % و 1 % ، موضحاً أن مخاطر الدولة من العوامل الأساسية التى تنظر لها البنوك فى الخارج عند منح التعزيزات .

وأضاف أن هناك كثيراً من البنوك تتسم سياستها بالتحوط ضد الدول مرتفعة المخاطر إما بالامتناع عن التعامل معها أو برفع تكلفة تعزيز الاعتماد فى الخارج، والمطالبة بتغطيتها 100 % ، مما سيؤثر على المستوردين بصورة كبيرة خلال الفترة المقبلة .

وعلى صعيد التذبذب فى سعر الصرف، لفت نجيب الانتباه إلى أن ارتفاع أسعار صرف الدولار أمام الجنيه يحمل فى طياته ايجابيات وسلبيات، مشيراً إلى ارتفاع الحصيلة التى يحصل عليها المصدرون جراء عملياتهم التصديرية، خاصة أن التكلفة يتحملها بالعملة المحلية ويبيع السلعة بالاجنبية، فيما ينتقل الأثر السلبى وهو الاكبر للمستوردين الذين يواجهون ارتفاعاً فى التكلفة الاستيرادية بما يضفى بظلاله على السعر النهائى للسلعة وانتقالها للمستهلك .

وتابع، رئيس تسويق التمويل التجارى وإدارة الأموال فى بنك المؤسسة المصرفية، أن طبيعة الدولة المستوردة تجعل الأثر السلبى لانخفاض العملة المحلية أكثر على الاقتصاد، مما يتطلب اتخاذ قرارات تتسم بالتوازن والحكمة للحد من استيراد السلع الكمالية وغير الضرورية بما لا يؤثر على دخول المستوردين لهذه السلع، لافتاً إلى أن منع استيرادها سيؤثر على دخول المستوردين لهذه السلع .

ورفض فكرة فرض غطاء نقدى 100 % على جميع السلع لتخفيف الضغط على السيولة الدولارية المتاحة لدى القطاع المصرفى، موضحاً أن النشاط يشهد بطئاً فى حركة الاعتمادات، علاوة على أن البنوك لديها ضعف فى النشاط الائتمانى وبالتالى رفع الغطاء إلى 100 % يحرم البنوك من فرص منح تمويل للمستوردين، إلى جانب زيادة الضغط على المستوردين الذين يعانون من مشاكل نتيجة أسعار الصرف .

واكد أن المركزى لديه من السياسات الحكيمة التى تجعله يحافظ على استقرار سعر الصرف دون الحاجة لرفع الغطاء إلى 100 % على جميع السلع، مستشهداً باستقرار العملة العامين الماضيين التى بذل المركزى فيهما مجهوداً أشاد به الجميع منذ اندلاع الثورة .

وأشار إلى أن هناك عدداً من السياسات الأخرى يمكن تنفيذها تجاه السلع الكمالية أبرزها فرض ضريبة المبيعات أو رفع التكلفة بشكل تدريجى على هذه السلع، بحيث يتحمل التكلفة الأفراد الذين يرغبون فى شرائها دون منحها مزايا السلع الأساسية .

واتفق معه أحمد عبد العاطى، مدير الإدارة المركزية والاعتمادات المستندية ببنك فيصل الاسلامى، فى أن تخفيض التصنيف الائتمانى لمصر سينعكس سلباً على نشاط الاعتمادات المستندية الذى يشهد بطئاً نسبياً نتيجة تأثر حركة التجارة باضطراب الأوضاع السياسية .

ولفت إلى أن البنوك الخارجية ستراجع الحدود الائتمانية الممنوحة للدولة ككل تبعاً للتصنيف الجديد المرتفع المخاطر وبالتالى سينعكس ذلك على الحدود الائتمانية الممنوحة للبنوك، علاوة على ارتفاع تكلفة التعزيزات أو اشتراط ربط ودائع تغطى قيمة الاعتماد بالكامل .

وأضاف أن هناك عدداً من البنوك قد لايتأثر بتخفيض التصنيف كالبنوك الأجنبية فى مصر التى تتعامل من خلال فروعها الخارجية وبضمان من البنك الأم فى الخارج، علاوة على البنوك التى تتمتع بشبكة مراسلين جيدة فى الخارج، والتى لديها اتفاقيات تعاون مع بنوك أخرى .

وأكد أن البنوك الخارجية سترفع من الحيطة والحذر فى التعامل مع البنوك المصرية خاصة أن هذه البنوك تضع نصب أعينها المخاطر المحتملة الخاصة بالتصنيف الائتمانى وسعر الصرف .

ولفت إلى أن التذبذب فى سعر الصرف يربك حسابات البنوك، خاصة أن هناك العديد من المصانع تستورد آلات ومعدات وتقيم دراسات الجدوى بناءً على تكلفة معينة للحصول على تسهيلات، وبالتالى التغير فى سعر الصرف يغير من القيمة الفعلية للآلات عن الدراسة ويرفع من التكفلة الإجمالية للعملية الاستيرادية .

وقال إن هناك عدداً من المستوردين خفضوا من عملياتهم الاستيرادية تحوطاً من مخاطر سعر الصرف، خاصة أن ارتفاع أسعار الصرف يقلل من القدرة الشرائية للمستوردين نتيجة ارتفاع أسعار السلع المستوردة .

وأكد أهمية مد إعفاء السلع الاساسية من الغطاء النقدى كاللحوم والسكر والدواجن والزيت لتخفيف الاعباء المالية على المستوردين لهذه السلع الاستراتيجية، مؤكداً أن الوضع الراهن لا يحتمل ارتفاع الغطاء النقدى على هذه السلع خاصة أنه سيرفع من أسعار هذه السلع مما يخلق موجة تضخمية وزيادة الأعباء على المواطنين .

ولفت إلى أن اعفاء السلع من الغطاء النقدى أو رفعه إلى 100 % يتحدد تبعاً لتوافر هذه السلعة فى السوق واهميتها، مشيراً إلى أن منتجى الدواجن اشتكوا من ركود السوق ويطالبون برفع الغطاء النقدى لتقليل استيراد الدواجن من الخارج والاعتماد على السوق المحلية، لكن حتى الآن الدواجن من السلع المعفاة من الغطاء النقدى للاعتمادات المستندية .

وأكد أن المعادلة صعبة فهناك احتياجات اساسية للمواطنين من ناحية وهناك تراجع فى الموارد الأجنبية وتخفيض للتصنيف الائتمانى للدولة من ناحية أخرى، وبالتالى التأثير على جانب دون الحاق أضرار جسيمة بالجانب الآخر عملية حساسة ودقيقة للغاية، قائلاً : إنه حتى الآن لا يوجد ضغط على السيولة الدولارية خاصة أن نشاط الاعتمادات يتسم بالبطء، مشيراً إلى أهمية استقرار الأوضاع السياسية حتى لا يتأزم الوضع الاقتصادى أكثر من ذلك .

وقال إنه بالفعل يتم تطبيق الغطاء النقدى على السلع بنسبة 100 % فيما عدا السلع الاساسية كاللحوم والدواجن والسكر والزيوت، وبالتالى من غير المعقول فى ظل غلاء الأسعار فى الاساس أن نشدد على المستوردين ونرفع الأسعار أكثر من ذلك .

من جهته أكد سامح غراب، نائب مدير عام قطاع العمليات المصرفية لبنك التنمية الصناعية والعمال، أن تخفيض التصنيف الائتمانى لمصر سينعكس مباشرة على نشاط الاعتمادات المستندية مما يعمق من العقبات التى تواجه القطاع، مشيراً إلى صعوبة وارتفاع تكلفة تعزيز الاعتمادات من المراسلين فى الخارج فى ظل ارتفاع مخاطر الدولة .

وأضاف أن تخفيض التصنيف سيضفى بظلاله على التسهيلات الممنوحة للمستوردين المحليين، متوقعا تراجع نشاط الاعتمادات الآجلة والتى كانت تمنح المستوردين فترة من الوقت للسداد ليتحول النظام اكثر إلى الاعتماد المستندى بمجرد الاطلاع .

ولفت غراب الانتباه إلى أن حتى التحصيلات المستندية تم اشتراط الدفع المقدم مما يضغط على السيولة المتاحة لدى المستوردين ويرفع من تكلفة رأس المال الخاصة بهم، خاصة إذا تم الزام المستورد بربط وديعة اجنبية له فى البنوك الخارجية .

وأشاد نائب مدير عام قطاع العمليات المصرفية لبنك التنمية الصناعية والعمال، باستمرار اعفاء السلع الاساسية من الغطاء النقدى حتى يونيو 2013 ، خاصة أن القرار جاء فى وقت يعانى فيه المستوردون من عقبات كثيرة، أبرزها تخفيضا التصنيف الائتمانى وارتفاع أسعار العملة الأجنبية أمام الجنيه .

وأضاف أن السلع الأساسية كالسكر واللحوم والدواجن تمس قطاعاً عريضاً من المواطنين، لافتاً إلى أن تخفيف الأعباء على المستوردين يساعد على الحد من الموجة التضخمية الناجمة عن التذبذب فى أسعار الصرف .

وعن الضغط على السيولة الدولارية المتاحة لدى القطاع المصرفى جراء زيادة العمليات الاستيرادية، قال غراب إن تخفيف الضغط يمكن عن طريق منع استيراد السلع الاستفزازية أو التى تعرف بالكمالية لبعض الوقت قد تصل إلى 6 أشهر نظراً لأنها تكبد الدولة مليارات الدولارات فى الوقت الذى نحن فى أمس الحاجة للعملة الخضراء لاستيراد السلع الاساسية وخدمة الدين الخارجى .

وأبدى صعوبة رفع الغطاء النقدى إلى 100 % على جميع السلع المستوردة للحد من العمليات الاستيرادية، مشيراً إلى أن هناك سلعاً لا يمكن الاستغناء عن استيرادها لسد فجوة الانتاج المحلى، وبالتالى رفع الغطاء سيدفع الأسعار إلى الارتفاع ومن ثم موجة تضخمية تمس معظم السلع مما يؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين .

واختلف معهم إسماعيل حسن، رئيس بنك مصر - إيران للتنمية، محافظ البنك المركزى الأسبق، الذى قلل من الآثار السلبية المحتملة على نشاط الاعتمادات المستندية جراء تخفيض التصنيف الائتمانى لمصر، موضحاً أن البنوك المصرية لديها ودائع فى الخارج تساعد على تعزيز العمليات الاستيرادية، مشيراً إلى أنه حتى افتراض رفض البنوك تعزيز الاعتمادات سيعيد الأنظار إلى اهمية زيادة الانتاج المحلى مرة أخرى .

ولفت إلى أن الدولة مستمرة فى العمل ولم تقفل أبوابها بعد وهناك موارد من النقد الأجنبى تتدفق عبر قناة السويس يومياً والصورة ليست قاتمة بالشكل الذى يراه البعض، مشدداً على اهمية استقرار الأوضاع وزيادة الانتاج وترشيد الاستهلاك المحلى .

ورفض تغطية الاعتمادات المستندية بنسبة 100 % على جميع السلع المستوردة كوسيلة للحد من الاستيراد وتخفيف الضغط على السيولة الدولارية المتاحة لدى البنوك .

وأشار حسن إلى أن القرار الذى اتخذه رؤساء البنوك فى نهاية التسعينيات وقت رئاسته للمركزى والخاص بتغطية الاعتمادات المستندية للتجار بنسبة 100 % كانت له ظروفه وملامساته الخاصة به فى ذلك التوقيت، موضحاً أن أزمة دول جنوب شرق آسيا وانخفاض أسعار الصرف بها دفع العديد من المستوردين المحليين إلى مضاعفة عملياتهم الاستيرادية من هذه الدول، مما استلزم تأمين البنوك من مخاطر تمويل هذه العمليات، خاصة أن زيادة المعروض من السلع داخل السوق المحلية قد يضعف من فرص بيعها ويزيد من احتماليات الاحتفاظ بها كمخزون مما يقلل من قدرة المستوردين على دفع التزاماتهم للبنوك .

 وأكد رئيس بنك مصر - إيران للتنمية، أن الحل الأمثل للحد من الاستيراد يكمن فى زيادة الانتاج المحلى وتقليل الفجوة الاستيرادية وزيادة الصادرات لتحسين ميزان المدفوعات وزيادة الموارد من النقد الأجنبى، لافتاً إلى أن البنوك لم تستطع إعاقة العمليات الاستيرادية .
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة