اقتصاد وأسواق

أين لمصر من شخصية تاريخية؟


شهدت مصر في ميدان التحرير وعبر مؤتمرين.. للحوار الوطني والوفاق القومي انعقدا في الأسبوع المنصرم، نموذجاً مصغراً لما تمر به البلاد من تناقض أجندات سياسية ومجتمعية،  اختلط فيه الحابل بالنابل عقب ثورة يناير 2011، غير المسبوقة تاريخياً، من حيث مشاركة شباب مصر وجماهيرها وقواتها المسلحة، في إطلاق شرارتها، ليتلفت من بعد  المصريون وقواهم السياسية بحثاً عمن يعبر بهم المرحلة الانتقالية.. من حكم أوتقراطي دام لنحو ستين عاماً إلي التطلع لإقامة نظام ديمقراطي تتقلد فيه سلطات الدولة الثلاث صلاحياتها، فلا يجدوا إلا متنافسين يدعي كل منهم ربما عن حق- أنه الأجدر عن غيره بالاستماع إليه.. دون محاولة جادة بالتوافق فيما بينهم، الأمر الذي لا تنعكس سلبياته علي تطورات الحالة المصرية فحسب، إنما تمتد كذلك إلي تعثر مسيرة ما يسمي »الربيع العربي«، الذي تهب نسائمه علي المنطقة.. انطلاقاً من مصر، مطالبة بالحرية والتغيير.

وإذا كان من المتفق عليه.. احتذاء العالم العربي بمصر بالنسبة لسبل معالجتها للمسألة الفلسيطنيية، قضية العرب المركزية، ابتداءً من مؤتمر لندن 1939 إلي اليوم، فإنه يمكن القول علي نفس القياس، من دون مبالغة، أن مصر صدرت كذلك للدول العربية منذ يوليو 1952.. أوتقراطية الحكم بنفس القدر الذي كرست- بشكل غير مباشر- ديكتاتورية الحكام العرب طوال العقود الستة الأخيرة، ولتنعكس ثورة يناير المصرية ـ من ثم ـ بمشاعر الذعر والقلق علي جميع العروش العربية بلا استثناء، مما باتوا يشكلون جبهة عريضة للوقوف ضد الثورة المصرية، سواء علي الصعد المحلية أو العربية أو الدولية، الأمر الذي تعجز إزاءه.. قدرة أي طرف سياسي في مصر عن مواجهته بمفرده، كما هو الحال اليوم، من دون التعاون مع باقي القوي الداخلية الأخري.

ومع تزاحم غير صحّي فيما بين القوي والشخصيات السياسية المصرية علي اختلافها.. صوب شغل الفراغ الناشئ عن سقوط النظام السابق، ومع غياب لمنظم مكوك هذه الأزمة، فقد يتحول الأمر ـ لا قدر الله ـ إلي تصارع بالأظلاف فيما بين القوي السياسية والمجتمعية علي الساحة المصرية، ليس فحسب لبأس خصوم الثورة المصرية في الداخل والخارج ممن لا يستهان بألاعيبهم، إنما بقدر أكبر لغياب شخصية »وفاقية« يجتمع حولها الفرقاء المصريون.. منصتة وملبية لمعالم خريطة الطريق التي تضعها مثل هذه الشخصية للعبور بمصر مرحلتها الانتقالية لحين الانتهاء من إعادة بناء مؤسساتها التشريعية والقضائية والتنفيذية.

إلي ذلك، من غير الطبيعي القول بأن مصر خالية من مثل هذه الشخصيات التوافقية، بعلمها ووسطيتها وبرجماتيتها، بل إن  لديها من الكوادر المتخصصة ما تفخر به أي أمة من الأمم، وألا ينفي ذلك أن العهود السابقة بلا استثناء لم تفتح النوافذ لمثل هذه الكفاءات لكي تتفتح ألف زهرة وزهرة.. ولتنتقل لغيرها بالخبرة.. إلي آفاق التجديد والإبداع، ذلك باستثناء جيل الاحتراف الذي تكونت ملكاته الابداعية قبل 1952، ولم يكن يجري استدعاؤهم إلا حين يمرّ الوطن ب»نكسة«، سرعان ما يعاد الاستغناء عنهم بعد عبورها، أما بالنسبة للأجيال التالية، فقد تعرضت خبراتهم الغصّة للإهدار السياسي لحساب، قوانين المواءمات والمفاوضات والمساومات السياسية، فإذا كانت كفاءات الحرس القديم التاريخية قد واراها الثري، فإن الأجيال التابعة أرتجت عليها الأبواب، وسُرقت منها أزهي سنوات العطاء والتجديد والإبداع، وليخسر الوطن خلال الثلاثين عاماً الأخيرة، علي وجه خاص، عطاء جيلين أو أكثر كان.. بإمكانهما لو لم تكن الغلبة لمنظومة الفساد والارتجالية السياسية.. لانتقلت بالبلاد إلي المعاصرة وللأخذ بأدوات الحداثة ومقتضيات التقدم.

ولما كان من غير المجدي البكاء علي اللبن المسكوب..خصماً من البحث عن شخصية للإنقاذ الوطني علي غرار »ديجول«.. تمارس سلطاتها بالدستور والقانون، فلا أقل من أن يعمل التيار الرئيسي لمصر المعاصرة في هذه الظروف الصعبة علي تهيأة الظروف للمساعدة في استكشاف الأقرب إلي شخصية تاريخية أو أكثر.. أين لمصر من مثلها؟
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة