اقتصاد وأسواق

الأمم المتحدة تستأنف مفاوضات «تنظيم تجارة السلاح»


رجب عز الدين

فى إشارة قد تبدو متزامنة مع مجزرة نيوتاون التى وقعت فى إحدى المدارس الابتدائية بولاية كونكتيكت مؤخرا وأسفرت عن سقوط 26 قتيلا بينهم 20 طفلا، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع مؤخرا لصالح عقد مؤتمر فى مارس المقبل للتوصل إلى اتفاق بشأن معاهدة تنظم تجارة السلاح عالميا، رغم فشل الأعضاء بالأمم المتحدة فى التوصل إلى اتفاق بشأن المعاهدة فى يوليو الماضى.

وفشلت الدول الأعضاء بالأمم المتحدة فى التوصل إلى اتفاق بشأن معاهدة مقترحة فى يوليو، حيث أعربت الولايات المتحدة عن حاجتها للمزيد من الوقت للتفكير وطلبت روسيا والصين إرجاءها، لكن الجمعية العامة للامم المتحدة طرحت الامر للتصويت مجددا من أجل جولة جديدة من المفاوضات الدولية بغية الوصول إلى اتفاقية دولية منظمة لتجارة السلاح، وحصل القرار على تأييد 133 دولة، فيما امتنعت 17 دولة عن التصويت، وفقا لما نشرته وكالة بى بى سى مؤخرا.

وتشير بعض التقديرات إلى أن قيمة تجارة السلاح العالمية بين الدول تصل إلى 60 مليار دولار، بينما تشير تقديرات منظمات دولية أخرى إلى أن قيمة تجارة السلاح الرسمية وغير الرسمية فى العالم تقارب تريليون دولار، وفقا لتقرير معهد استكهولم للسلام الدولى العام الماضى.

ولا تنظم المعاهدة المقترحة من الأمم المتحدة بصيغتها الحالية المطروحة للنقاش استخدام السلاح محليا داخل أى دولة، لكن تفرض على الدول وضع لوائح تنظيمية محلية للتحكم فى عمليات نقل الأسلحة التقليدية.

كما تحظر على الدول الموقعة نقل أسلحة تقليدية إذا مثل ذلك انتهاكا لأى حظر على السلاح أو كان يدعم عمليات إبادة أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب.

ويقوم الكثير من الدول، بينها الولايات المتحدة بتنظيم تصدير الأسلحة، لكن لا توجد معاهدة دولية تنظم تجارة السلاح.

وتعارض الرابطة الوطنية للبنادق، وهى إحدى جماعات الضغط الداعمة لحق حيازة السلاح فى الولايات المتحدة، المعاهدة المقترحة، وتقول إنها تمثل تهديدا لحق حيازة السلاح المنصوص عليه فى الدستور الأمريكى.

لكن الحادثة الأخيرة فى إحدى المدارس الابتدائية بولاية كونكتيكت مؤخرا وأسفرت عن سقوط 26 قتيلا بينهم 20 طفلا جراء اطلاق النار عليهم من شخص داهم المدرسة بسلاح رشاش، أثارت الجدل مجددا حول الرقابة على الأسلحة فى الولايات المتحدة بعد أن ماطلت منذ شهور فى الانضمام لاتفاقية دولية لتنظيم تجارة السلاح كانت الأمم المتحدة قد دعت إليها.

وأشار أوباما، فى تعليقه على الحادث، إلى ضرورة إعادة النظر فى قوانين الرقابة على الأسلحة قائلا: سيتعين علينا الاتحاد معا والقيام بعمل جاد لمنع تكرار مثل هذه المآسى بغض النظر عن السياسة، فى إشارة واضحة إلى تأثير الجمعية الوطنية للبنادق على أعضاء الكونجرس، وفقا لم نشرته وكالة رويترز مؤخرا.

يذكر أن اوباما لم يتعرض لقضية حمل السلاح فى حملته الانتخابية الاخيرة بشكل واضح، رغم مطالبات عدد من الجهات المعنية بحقوق الإنسان ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان مستعدا لاتخاذ نهج أكثر حزما الآن بعد أن فاز بفترة ولاية ثانية، نظرا لما تمارسه جماعات الضغط القوية التى تدافع عن الحق فى حمل السلاح مما يثنى معظم السياسيين عن أى جهود كبيرة للتعامل مع سهولة توافر الأسلحة النارية.

كما يذكر أن الولايات المتحدة وبعض الدول الكبرى فى مجلس الأمن ماطلت فى اجتماع الجمعية العامة فى 26 يوليو الماضى فى التوقيع على الشكل النهائى لاتفاقية تنظيم تجارة الأسلحة التقليدية (ATT )، بزعم أن هناك بعض المشاكل الصغيرة التى تحتاج إلى توضيح، رغم موافقة المسئولين من حوالى 170 دولة حضرت هذا الاجتماع، وطلبت استكمال المفاوضات فى عام 2013.

وتركزت انتقادات الولايات المتحدة على تضمن الاتفاقية بندا يطالب بالتصريح للذخائر التى يجرى بيعها، بينما اعترضت الصين على شمول اتفاقية الأسلحة الصغيرة، كما طالبت روسيا والصين بألا تتضمن الاتفاقية اشارة الى حقوق الإنسان، بينما أبدت دول أخرى مثل سوريا وكوريا الشمالية وإيران وتركيا وكوبا والجزائر تحفظات على الاتفاقية، بينما أبدت مصر رفضها للاتفاقية من منطلق أن الأولى هو استكمال المفاوضات مع الدول غير الموقعة على اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية.

الغريب فى الأمر أن الولايات المتحدة كانت من أشد المؤيدين لهذه الاتفاقية فى عام 2009، لكنها الآن أصبحت من أشد المعارضين لها، الأمر الذى يفسره البعض بتزايد نفوذ لوبى تجار السلاح فى الولايات المتحدة والذى يحقق أرباحا مهولة من تجارة الأسلحة سنويا، علما بأن أكبر عشر شركات لإنتاج الأسلحة فى العالم هى شركات أمريكية، وفقا لبيانات معهد استكهولم للسلام الدولى.

ويشير محللون إلى أن هناك أكثر من جهة داخل الولايات المتحدة مازالت تمارس ضغوطها لعدم الموافقة على هذه الاتفاقية، حتى وصل الأمر إلى مستويات رسمية تحرض على الرفض، منها الرابطة الوطنية للبنادق التى نجحت فى إقناع مجلس الشيوخ الأمريكى فى جلسة الاستماع التى عقدها فى يوليو الماضى، وكانت نتيجة اللقاء أن أرسل 51 سيناتورًا خطابا للرئيس أوباما يؤكدون فيه أن اتفاقية تنظيم الأسلحة تخالف الدستور الأمريكى وتمنع الأمريكيين من التمتع بحقهم فى امتلاك سلاح، وفقا لما نشرتها مجلة إيكونومست مؤخرا.

كما تشير تقديرات المعهد الذى يتخذ من السويد مقرا له، إلى أن قائمة أكبر مائة شركة مصنعة للسلاح فى العالم تضم من بينها45 شركة تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها و33 شركة فى اوروبا الغربية، بحجم مبيعات بلغ 704 مليارات دولار خلال العام الماضى، بينما تضم قائمة أكبر عشر شركات لإنتاج السلاح فى العالم، سبع شركات أمريكية وثلاثًا أخرى اوروبية.

ولا يقتصر الجدل حول قضايا السلاح على الولايات المتحدة بعد الحادثة الاخيرة، بل امتد إلى بعض الدول الكبرى فى اوروبا، ووصل الأمر فى ألمانيا على سبيل المثال إلى حد استخدام المعارضة قضايا صادرات السلاح الألمانية فى الترويج لبرامجها الانتخابية ونقد الأنظمة السياسية الموجودة بقيادة ميركل.

وانتقد بير شتاينبريك زعيم الحزب الديمقراطى الاشتراكى حكومة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التى تنتمى ليمين الوسط لسماحها بارتفاع صادرات الأسلحة، ووعد بتغيير هذا الوضع إذا وصل حزبه المعارض المنتمى ليسار الوسط إلى السلطة.

ورشح شتاينبريك وزير المالية السابق لرئاسة الحزب الديمقراطى الاشتراكى لمنافسة ميركل فى الانتخابات التى ستجرى فى سبتمبر المقبل، وقال إنها لفضيحة أن تصبح ألمانيا ثالث أكبر دولة مصدرة للسلاح فى العالم فى عهدها، وفقا لتصريحات نقلتها وكالة رويترز مؤخرا.

وتعد صادرات الأسلحة مسألة حساسة فى ألمانيا نظرا لماضيها النازى والدور الذى لعبته شركات منتجة للسلاح مثل «كروب» فى اشتعال الحروب فى القرنين التاسع عشر والعشرين بتصدير السلاح للأطراف المتصارعة، الأمر الذى دعا الحكومات المتعاقبة فى ألمانيا الغربية ثم فى ألمانيا الموحدة بعد الحرب العالمية الثانية إلى فرض قيود صارمة على صادرات الأسلحة، خصوصا المناطق التى تشهد صراعات مسلحة أو لا تحترم حقوق الإنسان.

وانتقد شتاينبريك الذى يتطلع إلى تشكيل ائتلاف مع حزب الخضر فى تصريحات صحفية مسألة تصدير السلاح بشكل سياسى أخلاقى قائلا: إنها لفضيحة وأمر بالغ الخطورة أن تصبح ألمانيا ثالث أكبر مصدر للأسلحة فى العالم، خاصة أننا نصدر الأسلحة إلى أقاليم تشهد حروبا وإلى مناطق لا تحترم حقوق الإنسان.

وطبقا لاستطلاع رأى أجراه معهد انفراتست ديماب لصالح تلفزيون (إيه.آر.دي) سيحصل الحزب الديمقراطى الاشتراكى وحزب الخضر معا على 43 % من الأصوات، وهى نسبة أكبر من النسبة التى سيحصل عليها حزب ميركل المحافظ, لكنها لا تكفى لتشكيل حكومة ائتلافية تحظى بتأييد الأغلبية.

وطبقا لاستطلاع الرأى فإن حزب ميركل المحافظ سيحصل على 40 %، وسيحصل الحزب الديمقراطى الحر المتحالف معها على 4 % ومن ثم لن يجتاز نسبة الـ5 % المطلوبة للحصول على مقاعد فى البرلمان، وسيفوز حزب اليسار بنسبة 7 %، وإذا صحت هذه التوقعات سيحتاج تكتل الحزب الديمقراطى الاشتراكى وحزب الخضر إلى 48 % من الأصوات لضمان أغلبية برلمانية.

ونتيجة لذلك يتوقع كثير من المحللين تكرار تجربة التحالف الكبير بين حزب ميركل المحافظ والحزب الديمقراطى الاشتراكى فى الفترة بين 2005 و2009 كنتيجة محتملة للانتخابات.

يذكر أنه فى عام 2001 كانت ألمانيا سادس أكبر دولة مصدرة للسلاح وباعت أسلحة قيمتها 925 مليون دولار للخارج, وجاءت بعد الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، بينما قفز ترتيبها ليصل إلى الثالث خلال العام الماضى.

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة