سيــارات

صراع العُرف والقانون في الفتنة الطائفية


 



محمد ماهر
 
لم تصطدم قيم الدولة المدنية فحسب بالنشاط المكثف للجماعات السلفية والذي اتسع نطاقه خلال الفترة الماضية.. بل تم تقويض مبدأ سيادة القانون أيضاً عن عمد عندما تمت مباركة اتفاق الصلح بين الجناة وأيمن أنور ديمتري- الذي تم قطع أذنه علي يد بعض المتطرفين بمحافظة قنا بعد تأجير شقة بمنزله لفتاة أشيع عنها أنها سيئة السمعة.. وقام »ديمتري« بالتنازل عن الشق الجنائي في المسألة.

 
الأمر الذي أثار موجة من انتقادات المراقبين والمحللين، لاسيما أنه يعني ضمناً استمرار إعلاء سياسة الجلسات العرفية علي حساب إعمال القانون وتفعيله، والذي كان السبب الرئيسي في اتساع رقعة التوترات الطائفية طوال الفترة الماضية.

 
وقد اعتبر الدكتور نبيل عبدالفتاح، رئيس تحرير تقرير الحالة الدينية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الصلح العرفي الذي جري مؤخراً بمحافظة قنا في حادثة قطع الأذن، هو امتداد للسياسة الأمنية القديمة الرامية إلي الحلول المؤقتة والعمل وفق مقتضيات الأمور والتسكين المؤقت بدلاً من الحل الجذري عن طريق تطبيق القانون، مشيراً إلي أن جميع المؤشرات الأولية- سواء بقنا أو أطفيح- تشير إلي استمرار سيطرة البعد الأمني في معالجات الدولة تجاه التوترات الطائفية.

 
وتساءل »عبدالفتاح« عن أسباب عدم توجيه أي تهم لأي شخص في حادث الاعتداء علي كنيسة أطفيح، رغم أن الاعتداء مسجل بالصوت والصورة، ويسهل التعرف علي مرتكبي الواقعة، كما لم يتم الإعلان عن القبض علي أي شخص في أحداث المقطم، مشدداً علي ضرورة استثمار مناخ الثورة في إحداث تغييرات في مفاهيم المصريين وتعاملهم مع الأزمات.

 
وأكد »عبدالفتاح« أن بناء الدولة الجديدة يجب أن يرتكز إلي سيادة القانون، موضحاً أن الدولة- متمثلة في المؤسسات- تمر بمرحلة إحلال وتجديد.. ويجب أن تتعامل بقوة مع محاولات الخروج والقفز علي القانون، وليس بالتساهل مع منتهكي القانون.

 
وعلي الجانب الآخر أكد الدكتور محمد المختار المهدي، رئيس هيئة الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية، أن ما حدث في قنا يثير الدهشة والاستنكار في الوقت ذاته لأنه مرفوض شرعاً وقانوناً، موضحاً أن تطبيق الحدود لا يتم بصورة فردية.. ويجب أن يتم من خلال ولي الأمر فقط حتي لا يترك الأمر في يد كل شخص لتطبيقه وفق هواه.

 
وحول الصلح في الشق الجنائي في القضية، نبه »المهدي« إلي أنه نظراً للظروف التي تمر بها البلاد، فإنه يجب الوضع في الاعتبار أنسب الحلول وأقربها للاستدامة، مشيراً إلي أنه يمكن تطبيق القانون، لكن لن ينهي هذا النزاع الثأري، مشترطاً في الوقت ذاته أن يكون الصلح عن تراض حقيقي يتم فيه تعويض المجني عليه التعويض المناسب مادياً وأدبياً، وليس بنوع من المجاملة، لأن هذا لن يضيف شيئاً.

 
أما مدحت بشاي، الكاتب والمحلل القبطي، أحد منسقي التيار العلماني القبطي، فيري أن جلسات تطييب الخواطر والتي كانت سائدة خلال الحقبة الماضية، لا ينبغي أن تمتد في الفترة الحالية، لاسميا أن هناك موجة مد سلفي عاتية، والتهاون معها حالياً سيظهر الدولة بمظهر ضعيف أمام هذه التيارات، وهو ما سيقوض في النهاية دعائم الدولة المدنية.

 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة