سيـــاســة

صقور وحمائم السياسة المصرية‮.. ‬وثعالبها وحرباءاتها أيضاً‮!‬


إعداد ـ القسم السياسي

منذ بدايات الحقبة الليبرالية الأولي، عرفت الساحة السياسية المصرية بوضوح ظاهرة الانقسام إلي معسكرين »الصقور في مقابل الحمائم«، ففي نفس العام »1907«، الذي تأسس فيه حزب »الأحرار« القريب من سلطة الاحتلال أسس مصطفي كامل أيضاً الحزب الوطني الذي رفع شعار» لا مفاوضات إلي بعد الجلاء«، أما صقور وفد سعد زغلول ـ ورجله القوي عبدالرحمن فهمي، رئيس الجهاز السري لحزب الوفد ـ فقد توازي وجودهم مع حمائم »أحرار دستوريين« عدلي يكن.

l
 
  عماد جاد
ولكن ما كان من الممكن لهذا التمايز بين الصقور والحمائم أن يستمر في ظل نظام يوليو الذي رفع شعار »الاتحاد، والنظام، والعمل«، ويتغني مطربه الأثير بأغنية تقول »ابنك يقولك ثورتك عارفة الطريق... وعارفة مين يا با العدو ومين الصديق«، وهذا النظام الذي أمن بنظام الحزب الواحد، اضطرته ظروف النكسة لأن يرفع شعار »لا صوت يعلو فوق صوت المعركة«.

ورغم عودة الحياة الحزبية في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، وبدء توجه مصر من جديد نحو التعددية الليبرالية، أصبح من الممكن الحديث من جديد عن التمايز بين المتشددين والمعتدلين، بين الصقور والحمائم، وذلك كأحد الأدوات أو المعايير التي من المممكن استخدامها لتحليل وفهم مجريات الحياة السياسية.

ولكن هل يعتبر بالفعل هذا المعيار صالحاً في بلد مازالت كل تنظيماته ـ بدءاً من حزبه الحاكم وحتي قوة معارضته الرئيسية »المحظورة« ـ تنكر وجود مثل هذه التمايزات بين صفوفها، مدعية أنها كتلة واحدة متجانسة؟.. بل هل من الممكن ـ من الأصل ـ ادعاء أن هناك قوي سياسية تتسم حقيقة بـ»الصقورية« أو »الحمائمية« علي طول الخط، أم أن الأغلبية تفضل الاحتفاظ بموقف »ثعالبي« غامش، أو ربما موقف »حربائي« متلون حسب الظروف والمصالح؟!.. أسئلة عديدة حاولنا الإجابة عنها عبر هذا الملف.

تخلوا عن الشراسة والوداعة مقابل تقاسم الأدوار والمكاسب

»متوحشون علينا.. وعلي النظام بلا مخالب«
 
ليس صراعاً بين الطيور في السماء، ولكنه سلوك بشري تنصاري بين التشدد والاعتدال.. التطرف والوسطية، بحيث يرفع الصقور الشعار الأول، بينما تنتهج الحمائم المبدأالثاني، وفي عالم السياسة يبدو صراع الصقور والحمائم محتدماً، ولكنه ليس مستمراً. فصقور الماضي تحولت إلي حمائم اليوم.. وهناك حمائم مستضعفة تحاول أن ترتدي قناع الصقور، وبالرغم من تصاعد النزعة الصقرية داخل المجتمع، فإن معظم الوجوه الصقورية المتشددة أمام النظام الحاكم هي صقور بلا مخالب.
 
تتلون الوجوه داخل الحزب الوطني المهيمن علي السلطة في مصر، فبين شراسة الصقور، ووداعة الحمائم تتعدد المواقف وتتقاسم الأدوار، ففي الوقت الذي يتزعم فيه المهندس أحمد عز، أمين التنظيم جناح الصقور، برفقة سرب الصقور القديم صفوت الشريف، الأمين العام، وزكريا عزمي، الأمين العام المساعد لشئون التنظيم والعضوية والمالية، يتصدر الدكتور حسام بدراوي والدكتور عبدالمنعم سعيد، عضوا أمانة السياسات الوجوه الحمائمية، ويظل التساؤل مطروحاً حول سطوة وغلبة أي من التيارين في قيادة دفة الحزب الحاكم في مصر.
 
وحول غلبة أي من التيارين علي الآخر داخل الحزب الوطني، أكد المستشار ماجد الشربيني، عضو الأمانة العامة أمين العضوية بالحزب الوطني، أن عالم السياسة لا يقوده الصقور وحدهم أو الحمائم بمفردهم، وإنما الفريقان معاً، نافياً شأنه في ذلك شأن جميع أعضاء الحزب الوطني وجود صقور أو حمائم داخل الحزب، لأن الأخير يتحول بكل أعضائه إلي صقور إذا تعلق الأمر بالمواجهة مع الآخرين حول التمسك بالمبادئ الحزبية بمعني التشدد بالالتزام الحزبي، ولكن في غير ذلك يتواصل الحزب بجميع أعضائه مع كل الفصائل السياسية الأخري.
 
وقال »الشربيني« إن لكل حزب صقوره الذين يقفون كحائط صد أمام حملات الهجوم عليه أو علي سياساته، والتصدي لمحاولات استغلال المواطنين أو نشر أفكار هدامة، وبالرغم من أهمية دور الصقور، إلا أنهم لا يسيطرون علي الحزب الوطني، لأنه كيان مؤسسي يعمل وفق آليات وأسس وقواعد بعيداً عن »الشخصنة«.
 
وحول طبيعة صراع الصقور والحمائم داخل جماعة الإخوان المسلمين، أكد الدكتور حازم فاروق، عضو الكتلة البرلمانية للإخوان، أن قيادة الجماعة حالياً تتم من خلال خليط من المتشددين والإصلاحيين، إلا أن ممارسات النظام القمعية العنيفة ضد الإخوان خلال السنوات الأخيرة منذ التعديلات الدستورية عام 2007 تؤدي بالتبعية إلي ترجيح كفة تيار الصقور علي حساب تيار الحمائم الإصلاحي، الذي يميل إلي مد الجسور مع التيارات السياسية الأخري.
 
وبعكس موقف الحزب الوطني من نفي وجود الصقور والحمائم، اعترف »فاروق« بغلبة الأعضاء ذوي التوجهات المتشددة علي الجماعة، مرجعاً ذلك إلي التنكيل الذي تعرض له أعضاء الجماعة خلال فترات اعتقالهم، وهو ما خلق حالة من التشدد والسخط داخل الجماعة.
 
وعلي صعيد الأحزاب السياسية، فإن الشعار الغالب هو »صقور بلا مخالب«، حيث أكد الدكتور عمرو هاشم ربيع، خبير الشئون الحزبية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، أن الصقور في الأحزاب السياسية التي يصل عددها إلي نحو 24 حزباً لا تتجاوز حزبين علي الأكثر، مؤكداً أن الانقسامات الداخلية للأحزاب اضعفت دورها علي مدار السنوات الأخيرة، إلي جانب أن بعض الأحزاب السياسية تلعب أدواراً مرسومة سلفاً من قبل الحكومة لتلعب دور الحمائم، وهو ما اسمته وسائل الإعلام بـ»المعارضة الكرتونية« وهي التي تتولي مهمة الهجوم علي معارضي النظام والتشكيك في وطنيتهم لحساب صفقات مع النظام السياسي.
 
ولفت »ربيع« إلي أن حزب الوفد يعتبرحالياً ـ بعد الانتخابات الداخلية الأخيرة ـ أحد أهم صقور الأحزاب السياسية، وفي المقابل هناك بعض الأحزاب ولدت صقوراً مثل التجمع والناصري، إلا أنها سرعان ما تحولت إلي حمائم مستضعفة، وكذلك هناك بعض الأحزاب »تحت التأسيس ـ حملت أفكار الصقور، ولكنها لم تقو علي ترك دور الحمائم، بسبب وضعها غير الشرعي.
 
وبالرغم من تاريخ النقابات »الصقوري« الذي خرج من رحم الحركة الوطنية، وكان أحد حوائط الصد في مواجهة الاحتلال الأجنبي والمطالبة بإلغاء المحاكم المختلطة والامتيازات الأجنبية، فإن البنية التشريعية الحاكمة لعمل النقابات والقيود التي فرضها القانون 100 لسنة 1993، أدت إلي استمالة النقابات المهنية في مصر، حيث استبعد شريف هلالي، مدير المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان، وجود نقابات مهنية ذات توجهات متشددة ضد النظام السياسي، وذلك بسبب نجاح الحزب الوطني في السيطرة علي النقابات، لاسيما خلال انتخابات نقابتي الصحفيين والمحامين الأخيرة، حيث تمت استمالة النقابتين اللتين لعبتا دور الصقور لعقود طويلة.
 
ولفت »هلالي« إلي أن الحزب الوطني ساند القيادات المهادنة لنقابتي المحامين والصحفيين للوصول إلي سدة الإدارة، حتي تثار الخلافات داخل مجالس الإدارات وتنشغل النقابات عن مواجهة النظام بالانكفاء علي أزماتها الداخلية.
 
وشأنها كشأن مؤسسات المجتمع فقد جنح المؤشر داخل الكنيسة القبطية نحو »الصقورية«، حيث أوضح الدكتور عماد جاد، الخبير السياسي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن المناخ العام داخل الكنيسة، يشير إلي تراجع موجة الاعتدال من خلال خفوت أصحاب الأصوات الوسطية، وذلك تأثراً بالمناخ العام داخل الدولة، حيث بات يحرك دفة الكنيسة القبطية سرب الصقور، لأنه صاحب الصوت العالي والإرادة النافذة داخل الكاتدرائية وصاحب اليد الباطشة تحت زعامة الأنبا بيشوي، سكرتير المجمع المقدس الملقب بـ»الرجل الحديدي«.
 
وأضاف »جاد« أن صعود تيار الصقور داخل الكنيسة، صاحبه تراجع حاد وخفوت لتيار الحمائم، والذي يعتبر الأنبا موسي أسقف الشباب، أبرز وجوهه، مؤكداً أن اللحظة الراهنة داخل الكنيسة سواء في إدارة علاقاتها مع الدولة أو مع رعاياها تتسم بالتشدد في جميع المجالات، مدللاً علي سيادة النزعة الصقورية داخل الكنيسة بتعامل الكاتدرائية مع الدولة في أزمة حكم الزواج الثاني واختفاء زوجة كاهن »دير مواس«، وكذلك التشدد تجاه الأقباط، حين تم تعديل لائحة 1938 للأحوال الشخصية، بهدف تضييق احتمالات الطلاق لأي من الأسباب الموجبة للطلاق.
 
واعتبر »جاد« أن البابا شنودة كانت له مواقف معتدلة قبل صعوده علي الكرسي البابوي، إلا أن المناخ العام في الدولة وقتها كان أقرب للاعتدال وكان المزاج العام أقرب للحمائمية بعكس الوقت الحالي الذي تلغب عليه النزعة الصقورية المتشددة.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة