لايف

استخراج كنوز التراث‮.. ‬تذكرة نجاح لمسرح الدولة


كتبت - سلوي عثمان:
 
مخرج مسرحي متمكن من أدواته الإبداعية.. يجبرك في كل عرض علي الدخول لحالة روحانية تظل معك فترة طويلة... اشتهر باهتمامه بالتراث وتوظيفه الفني للطقوس الصوفية.. له تجربة فريدة في توظيف الأصوات دراميا فيما سماه »المسرح الصوتي«.. ورغم ذلك كله مازال مستمرا وبدأب في رحلة بحثه الفنية.. ويسير بخطوات ثابتة منذ نهاية الثمانينيات وحتي اليوم.. إنه الفنان انتصار عبدالفتاح »رائد المسرح الصوتي«.

l
 
انتصار عبدالفتاح 
بدأ انتصار مشواره الفني عندما كان واحدا من المؤسسين للمهرجان الدولي للمسرح التجريبي في عام 1988م، وكان أول عروضه المسرحية »العربة الشعبية«. وكان عرضا مشتركا مع إيطاليين، وبعدها سافر إلي روما للدراسة بـ »الأكاديمية المصرية للفنون بروما«، ليعود بعد سنوات الدراسة ليحترف اللعب الفني بالتراث.

 
بدأ »انتصار« مشروعا فنيا طموحا سماه الثلاثية الفرعونية بعرض »الخروج إلي النهار« وتلاه بـ »أطياف المولولية« ويحلم حاليا باكتمال الحلم وإنهاء هذه الثلاثية بعرض جديد يتكتم علي تفاصيله.

 
أنشأ »انتصار« بالتعاون مع صندوق التنمية الثقافية فرقتين من أهم الفرق التراثية وهما »الطبول النوبية« و»سماع للإنشاد الصوفي« التي ضم لها فرقا أخري للترانيم الكنسية والقبطية والإنشاد الاندونيسي وهذا النشاط الواسع جعل لهذا المخرج المتميز مقرا ثابتا وهو قبة الغوري لعرض إبداعاته المختلفة.. لهذا كله كان حوارنا مع انتصار عبد الفتاح.
 
»رسالة سلام« بهذه العبارة، لخص المخرج انتصار عبد الفتاح مشواره الفني الذي تجاوز الـ 30 عاما -وهي بالمناسبة عنوان سلسلة الحفلات التي تقيمها فرقته »سماع« كل أسبوع- فهو يحاول أن يجد دائما من خلال الفن المسرحي والموسيقي نقاطا للحوار لكسر الحوجز بين الشعوب، حتي إنه كشف لنا أنه يحلم بإشراك أكثر من 20 فرقة مختلفة في عرض واحد ليقدم »قداس صوفي ضخم« تحت سفح الأهرام يضم ممثلين لفرق من قارات العالم أجمع، ومن بعدها يدور حول العالم لينقل هذه الرسالة الي العالم كله.
 
عرف عن »انتصار عبد الفتاح« أنه يسعي دائما للخروج من نطاق المسرح التقليدي، فقدم عرض »الخروج إلي النهار« بقصر الأمير طاز و»أطياف المولولية« بقبة الغوري، وهو ما فسره بأنه يبحث دائما عما يناسب فكرته، مما يجعل السينوغرافيا المفتوحة التي تنتمي لطابع تاريخي أكثر الأشكال الملائمة لتوصيل رسالته.. وهو ما جعله يختار هذه الأماكن بالتحديد.
 
ومن الأشياء الأخري التي عرفت عن هذا المخرج المثير للجدل هو توزيعه في كل عرض ورقة تحتوي علي المراجع والكتب التي استعان فيها لانجاز عرضه، وهو ما فسره عبد الفتاح بأن الفكرة تأتيه أولا، ومن بعدها ينمو العرض من خلال البحث المستمر داخل المراجع التي تكون في الغالب فرعونية وصوفية.
 
وقد اشتهر انتصار عبد الفتاح بلون فني خاص سماه »المسرح الصوتي«، وفيه يعبر عن الانفعالات والصراعات الدرامية من خلال الأصوات، فالتعامل هنا ليس مع الكلمة، فالصوت يمكن أن يكون لآلة موسيقية، أو أهات طويلة وقصيرة، أو حتي همهمات لها معني، فمسرحه يعبر بالسينوغرافيا والأصوات عما يريده، كما كان يتعامل الإنسان الأول مع الطبيعة، فالصور التي حوله والأصوات التي تحاط به هي التي تشكل إدراكه وفهمه وهو ما يفعله عبد الفتاح مع المتابع لعروضه.
 
ويري عبد الفتاح أن رحلته الطويلة داخل طيات كتب التراث هي بحثه ومشروعه الاهم والأكبر، فمن وجهة نظره فإن التراث العربي هو الوحيد الذي يجعل العروض المسرحية تصل للعالمية نظرا لتفرد هذا التراث وإمكانية إدماجه مع قضايا المجتمع، مما يجعله يتنبأ بالمستقبل، فالتاريخ دائما ما يعيد نفسه بأشكال مختلفة، والتراث هو نتاج لهذا التاريخ الطويل مما يجعل دراسته حماية للأجيال القادمة، والمعبر الحقيقي عن فن خاص مميز لا يمكن تقليده.
 
رأيه عن المسرح المصري ليس محايدا فالمسرح الذي هو حياته يراه يختلف عما كان في فتراته السابقة، فهو يري أن الهيئة العامة لقصور الثقافة منذ اندلاع حريق بني سويف لم تعد كما كانت، وكأن المبدعين أصبحوا يخشون الموت ثمنا لحبهم للمسرح، ومسرح الدولة يحاول تقديم عروض مسرحية ولكنه لم يفكر في التراث، كونه المنقذ الأساسي من وجهة نظر عبد الفتاح، مما يجعل محاولات إنقاذ المسرح تكون دائما فردية ولا تمثل خطة طويلة الأجل، ويري عبد الفتاح أن مسرح القطاع الخاص يمكن له المشاركة بعروض مسرحية ضخمة الإنتاج ولكن المشكلة تكون في المحتوي الذي أصبح لا يهتم سوي بالمكسب بعيدا عن تقديم الفن الحقيقي، أما المسرح المستقل فمازال يخطو خطوات غير ثابتة نظرا لخلاف القائمين عليه الدائم مع وزارة الثقافة و، هو ما لا يخلق جسرا للتواصل بين المؤسسة الحكومية وهؤلاء المبدعين مما يجعل مما ينجزه المسرح المستقل مجرد محاولات فردية.
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة