اقتصاد وأسواق

الدول الكبرى تتخلى عن التزاماتها المالية تجاه نظيرتها المهددة بيئيًا


إعداد - رجب عزالدين

بسياسة الهروب نفسها إلى الأمام المتبعة من قبل الدول الكبرى فى مؤتمر دربان للمناخ بجنوب أفريقيا العام الماضى، كادت الدول المشاركة فى مؤتمر الدوحة منذ أسبوعين تخرج من المؤتمر دون اتفاق لولا ضغوط قطر وبعض دول الجنوب.

وأسفر المؤتمر الذى حضره ممثلو 200 دولة على مستوى العالم، إلى التوصل لاتفاق يتصل بالمرحلة الثانية من بروتوكول كيوتو حتى 2020، على أن تكتمل المفاوضات فى القمة التى ستعقد عام 2015 فى فرنسا، والتى يفترض أن تقر اتفاقية جديدة ملزمة لجميع الأطراف بديلة لـ«كيوتو».

جاء ذلك بعد أن اضطرت قطر لمد فترة عمل المؤتمر يوماً آخر لينتهى السبت الماضى بدلاً من اليوم السابق له، وهو نفس ما اضطرت إليه جنوب أفريقيا فى المؤتمر السابق عندما لجأت إلى مد عمل المؤتمر يومين حتى تستطيع الخروج باتفاق اعترضت عليه الدول الكبرى نفسها المعترضة فى مؤتمر الدوحة.

وكان من المقرر أن تنتهى المناقشات التى استمرت على مدى أسبوعين فى إطار المؤتمر الثامن عشر لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، يوم الجمعة الماضى، إلا أن الجلسة الختامية امتدت حتى يوم السبت صباحاً قبل التوصل إلى اتفاق مشترك، الأمر الذى اضطر قطر إلى عقد جلسة أخرى بعد الظهر.

وفى هذه الجلسة اعتلى عبدالله العطية، نائب رئيس مجلس وزراء دولة قطر، رئيس المؤتمر الثامن عشر للمناخ، المنصة وأعلن تبنى سلسلة نصوص كانت قيد المناقشات منذ 26 نوفمبر الماضى بعد فشل الدول المشاركة فى التوصل إلى اتفاق محدد بشأنها، مما أدى إلى غضب كثير من ممثلى الدول المشاركة وانسحاب بعضهم.

وقال رئيس القمة عبدالله بن حمد العطية، إن الاتفاق الجديد سوف يطبق بدءاً من عام 2013 ولكن بدون التزامات أشد صرامة، الأمر الذى أدى إلى شعور النشطاء والمهتمين بقضايا البيئة بالإحباط.

وأدان تحالف يضم أكثر من 700 منظمة بيئية اتفاق الدوحة، وذكر فى بيان له نشرته وكالة رويترز مؤخراً: كنا نتوقع أن تكون محادثات الدوحة على درجة كبيرة من المسئولية، لكنها فشلت فى التوصل إلى أدنى توقعاتنا.

وقال كيرين كيكى، وزير خارجية ناورو، الذى يخشى احتمال أن تصبح بلاده غير صالحة لأن تكون مأهولة بالسكان بسبب التغيرات المناخية، هناك حاجة لبذل مجهود أكبر بكثير إذا كان لنا أن ننقذ هذه العملية فى مجرد كونها عملية من أجل العملية، عملية تشهد فقط إجراء محادثات دون أن تكون هناك أفعال، عملية تجعل موت أمتنا وشعبنا وأطفالنا مسألة مسلماً بها.

وقال كيرين المتحدث باسم تحالف الدول الجزرية الصغيرة، إن هذا الاتفاق لم يأت بحل للقضايا العالقة مثل مسألة المساعدات المالية لدول الجنوب، ووصف هذه الإجراءات بأنها مجرد حبر على ورق، وهى لا تتضمن أى تحرك إيجابى لمواجهة مشاكل التغيرات المناخية.

وأعرب عن أسفه إزاء عدم التوصل إلى اتفاق يلزم دول الشمال الصناعية الكبرى بتقديم المزيد من المساعدات المالية لدول الجنوب دون طعن على نص الاتفاق الجديد، مؤكداً أن العديد من الدول الجزرية مثل ناورو وتوفالو وكيريباتى مهددة بارتفاع منسوب مياه المحيطات إذا لم يتوصل المجتمع الدولى إلى اتفاق مشترك.

يذكر أن الدول النامية، خاصة تحالف الدول الجزرية الصغيرة، طالبت الدول المتقدمة بأن تلتزم بوعودها بتوفير 60 مليار دولار من المساعدات بحلول عام 2015 من أجل ضمان الانتقال من المساعدات الطارئة المقدرة بـ30 مليار دولار للسنوات 2010 و2012 إلى الــ100 مليار سنوياً التى وعدوا بها حتى عام 2020، لكن الدول الكبرى المانحة للأموال رفضت الالتزام بمبلغ كهذا، وأعلنت ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا والدنمارك والسويد ومفوضية الاتحاد الأوروبى فى الدوحة عن تعهدات مالية محددة للفترة الممتدة حتى عام 2015، والبالغ مجموعها نحو 6 مليارات دولار أمريكى فقط.

واقترح النص القطرى الذى اعترضت عليه الدول الكبرى صيغة تطمئن الدول النامية ان دول الشمال ستنفذ تعهداتها، لكن الولايات المتحدة بدت متحفظة جدا عن اى فقرة ملزمة على نحو مبالغ فيه، أوحى لغالبية الوفود أن الموقف الأمريكى من مفاوضات الدوحة كان أكثر سلبية من أى وقت مضى، وهذا ما دفع كومى نايدو، المدير التنفيذى لمنظمة غرينبيس، الى توجيه رسالة قاسية اللهجة الى الرئيس الاميركى باراك أوباما، طالباً منه سحب المفاوضين من الدوحة، او اعطاءهم توجيهات للالتزام بالوعود التى قدمها إلى ناخبيه قبل فوزه بولاية رئاسية ثانية.

وفيما تعتزم الولايات المتحدة تخصيص ما يزيد على 70 مليار دولار لمعالجة آثار إعصار ساندى، الذى ضرب عدداً من الولايات الأمريكية قبل شهر، بخل الوفد الأمريكى بالاعلان عن تقديم سنت واحد إلى صندوق المناخ الأخضر، المخصص لمساعدة الدولة المتأثرة بالتغير المناخي، واكتفى المفاوضون الاميركيون بالاعلان عن التزامهم اللفظى بالمساهمة فى صندوق المناخ.

وتريد الدول الاكثر فقرا تطبيق آلية فى هذا الشأن، بينما يخشى الوفد الأمريكى من أن يؤدى ذلك الى دعاوى قضائية، كما قال مراقب للمفاوضات.

وفى محاولة أخرى من جانب الدول النامية للبحث عن تمويل لتعويضها عن أضرار المناخ بعد أن تملصت الدول الكبرى، قالت رئيسة وفد مفاوضات الاكوادور، ايفون باكي، إن بلادها تعتقد أنها تتمتع بتأييد ايران وقطر اقتراحها بأن يدفع أعضاء أوبك مبلغاً صغيراً من مبيعات النفط لمساعدة الدول الفقيرة على مكافحة ارتفاع درجة حرارة الارض.

وتصدر اوبك مجتمعة أكثر من 30 مليون برميل يوميا بسعر يزيد على 100 دولار للبرميل.وقالت باكى: «هذا سيقدم كاقتراح من الاكوادور لاجتماع اوبك فى فيينا الاسبوع المقبل»، وتوقع عدد من المراقبين أن تعلن دول مجلس التعاون الخليجى عن تقديم منح للصندوق الاخضر، لكن هذه الدول تقدمت بنص فى وقت متأخر من ليل الجمعة، جاء مخيباً للآمال، واكتفت بالاعلان انها لا تعتزم المطالبة بالحصول على مساعدات من الصندوق الأخضر، وأنها ستنفذ خططاً وطنية للتحول الى الطاقة البديلة، الامر الذى يعنى ضرب مبدأ الالتزام بالآليات التى تكفلها الاتفاقية الاطارية للأمم المتحدة.

ومن أبرز النتائج التى خرجت به قمة الدوحة، أنه جرى تعديل بروتوكول كيوتو، باعتباره الاتفاق الوحيد القائم والملزم الذى بموجبه تلتزم البلدان بخفض غازات الاحتباس الحراري، بحيث يستمر نفاذ مفعوله اعتباراً من 1 كانون الثانى 2013، كما قررت الحكومات أن فترة الالتزام الثانية ستكون 8 سنوات، ووافقت البلدان التى تتخذ التزامات إضافية بموجب بروتوكول كيوتو على استعراض التزاماتها بخفض الانبعاثات فى موعد أقصاه عام 2014، وذلك بهدف زيادة مستويات طموح كل منها، كما ان آليات السوق التابعة لبروتوكول كيوتو - آلية التنمية النظيفة، التنفيذ المشترك والاتجار الدولى بالانبعاثات - يمكن أن تستمر اعتبارا من عام 2013. كما وافقت الحكومات على العمل بوتيرة سريعة لوضع اتفاق عالمى بشأن تغير المناخ يغطى جميع البلدان اعتباراً من عام 2020، والذى سيُعتمد بحلول عام 2015، أما عناصر النص التفاوضى فسوف تكون متاحة فى موعد أقصاه نهاية عام 2014، بحيث تكون مسودة النص التفاوضى متاحة قبل أيار 2015، كما أقر مؤتمر الدوحة اختيار جمهورية كوريا مقرا لصندوق المناخ الأخضر وخطة عمل للجنة الدائمة للشئون المالية.

ومن المتوقع أن يبدأ صندوق المناخ الأخضر نشاطه فى مدينة «سوندغو» فى النصف الثانى من عام 2013، مما يعنى أنه يمكن إطلاق أنشطته عام 2014.

وتلزم المرحلة الثانية من بروتوكول كيوتو - محور الاتفاق الجديد- الاتحاد الأوروبى واستراليا وعشر دول صناعية أخرى بالحد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحرارى بحلول العام 2020، إلا أن نطاق تنفيذ هذه المرحلة يعد رمزيا، كون الدول المعنية به تمثل فقط %15 من انبعاثات هذه الغازات فى العالم، خاصة فى ظل عدم انضمام الدول الكبرى المتسببة فى الاحتباس الحرارى مثل الولايات المتحدة والصين والهند فضلا عن انسحاب دول أخرى من المعاهدة اصلاً مثل كندا.

وانسحبت روسيا واليابان وكندا من المؤتمر فى اللحظات الاخيرة أثناء طرح الاتفاق النهائى وعلق اوليج شامانوف، المندوب الروسى «إنها المرة الأولى التى أرى فيها سابقة كهذه.. إذ ترى روسيا أن قطر فرضت هذا الاتفاق بالقوة، مضيفاً أن روسيا إلى جانب بيلاروسيا وأوكرانيا يرفضون قرار تمديد بروتوكول كيوتو بعد عام 2012 إذ كان من المقرر أن ينتهى سريانه فى 31 ديسمبر»، معرباً عن أمل بلاده فى فرض حدود أقل صرامة فيما يتعلق بالسماح بمعدلات انبعاثات غاز ثانى أكسيد الكربون مؤكدا أن قرار تمديد العمل ببروتوكول كيوتو يعرقل جهود المجتمع الدولى لمكافحة التغيرات المناخية ولا يتقدم بها إلى الأمام على عكس ما تراه معظم الدول المشاركة».

أما عن الولايات المتحدة التى لم توقع أصلاً على اتفاقية كيوتو، فقد أعلن الوفد الأمريكى عن رفض بلاده بعض النقاط التى جاءت فى نص الاتفاقية التى أعلنتها قطر فى نهاية المؤتمر بطريقة رفضها الوفد ورآها توحى بأن الدول المشاركة أقرته، كما رفضت الولايات المتحدة أى التزامات مالية تجاه الدول النامية بشكل أكثر تشدداً من المؤتمرات السابقة.

وحتى الآن فإن محادثات المناخ التابعة للأمم المتحدة لم تلتزم بأى مهلة، فقد وعدت الدول الغنية قبل 20 عاماً بوقف الارتفاع فى الغازات المسببة للاحتباس الحرارى لكنها لم تنفذ وعدها، كما أنها وعدت بالتوصل إلى اتفاق بديل لكيوتو بحلول عام 2009 ولم تنفذ هذا الوعد كذلك، والآن أمام هذه الدول مهلة حتى عام 2015 للتوصل إلى اتفاق عالمى جديد ملزم ليبدأ تطبيقه بعد انتهاء تمديد فترة العمل بكيوتو عام 2020، وللمرة الأولى سيطبق على الدول الغنية والفقيرة على حد سواء، لكن مع انقسام دول العالم حول الطرف الذى يجب أن يدفع التكلفة فإن مهمة التوصل إلى اتفاق تبدو فوق قدرات هؤلاء المندوبين الدوليين.

ومن المقرر أن يعقد مؤتمر الأمم المتحدة الرئيسى المقبل المعنى بتغير المناخ، فى العاصمة البولندية وارسو، فى نهاية عام 2013، لكن الموعد الأهم الذى حددته الأسرة الدولية هو 2015 فى باريس، لإبرام اتفاق «عالمى» لخفض الغازات الدفيئة، يفترض أن يدخل حيز التنفيذ فى 2020، بمشاركة كل الدول، بينها أكبر بلدين مسببين للتلوث، الصين والولايات المتحدة، اللتين لم توافقا على بروتوكول كيوتو.

فهل تنجح قمة باريس فيما فشلت فيه قمم الدوحة وديربان وكانكون وكوبنهاجن؟!

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة