اقتصاد وأسواق

‮»‬أفريقيا‮« ‬تتجه إلي انتعاش اقتصادي ضخم


إعداد ـ نهال صلاح
 
تعد أفريقيا واحدة من أسرع المناطق الاقتصادية نمواً في العالم، وينبغي ألا يتجاهل الرؤساء التنفيذيون الأوروبيون والمستثمرون احتمالاتها التجارية الضخمة.

 
مع انتهاء بطولة كأس العالم لعام 2010، تحولت أنظار المهتمين بهذه الرياضة من جنوب أفريقيا إلي بطولات أخري في أماكن مختلفة، ومع ذلك ينبغي للشركات الأوروبية والمستثمرين أن يبقوا أبصارهم علي أفريقيا، بسبب احتدام المنافسة التجارية بأنحاء القارة.
 
وأظهر تقرير أعده معهد ماكينزي جلوبال، أن أفريقيا تعتبر حالياً من ضمن أسرع المناطق الاقتصادية نمواً في العالم، حيث تمتلك فرصاً تجارية مهمة في نطاق واسع من الصناعات، ويمكن للداخلين المبكرين لهذا المضمار أن يقتنصوا هذه الميزة.
 
وكان الناتج المحلي الإجمالي الكلي لأفريقيا، قد ارتفع إلي معدل سنوي مقداره %4.9 في الفترة بين عامي 2000 و2008، وهو ما يعد ضعف المعدل السابق منذ عقدين، ويظهرالتقرير اتساع القاعدة التي يستند عليها زيادة النمو مع وجود جذور له تتخطي كثيراً ظاهرة انتعاش السلع العالمية.
 
وأعربت جريدة »بيزنس ويك« الأمريكية، بالنظر إلي الأمام أن تتمكن أربع مجموعات من الصناعات في القارة معاً، من جمع ما يصل إلي 2.6 تريليون دولار من العائدات السنوية بحلول عام 2020 أو بمقدار تريليون أزيد عما تصل إليه عائداتها حالياً محسوبة بقيمة الدولار في 2010، وتكمن أكبر فرصة للقيام بأعمال تجارية للمجموعات الأربع في البضائع الاستهلاكية والخدمات يعقبها الموارد الطبيعية والزراعة والبنية التحتية.
 
وتعكس هذه التوقعات التقدم الاقتصادي الأخير لأفريقيا والاحتمالات القوية الطويلة الأجل للقارة، فالناتج الاقتصادي المجمع للقارة، الذي وصل إلي 1.6 تريليون دولار في عام 2008، يساوي تقريباً حالياً الناتج الاقتصادي للبرازيل أو روسيا، وتشير عدة عوامل إلي أن هذا الزخم الاقتصادي يمكن أن يستمر.
 
وذكرت صحيفة »بيزنس ويك«، أن قارة أفريقيا شهدت نمواً سريعاً واسع النطاق مع زيادة الناتج المحلي الإجمالي بشكل أكثر سرعة في 27 دولة من بين 30 دولة من أكبر اقتصاداتها، سواء التي تمتلك موارد تصديرية مهمة أو التي لا تمتلكها، وقد شكلت العائدات الناجمة عن النفط والمعادن وغيرها من الموارد الطبيعية %24 فقط من النمو المحقق في الفترة من عام 2000 إلي 2008، وساهمت القطاعات الأخري كذلك ومن بينها قطاع التمويل والتجزئة والزراعة والاتصالات السلكية واللاسلكية.

 
وتعد الإصلاحات الحكومية هي المفتاح الرئيسي، الذي أدي إلي الزيادة الكبيرة في النمو، حيث خلقت استقراراً سياسياًً أكبر وحسنت بيئة الاقتصاد الكلي، كما عملت علي تنشيط بيئة الأعمال، فعلي سبيل المثال أوقفت عدة دول نزاعاتها المميتة، كما قلل صانعو السياسات أيضاً من معدلات التضخم وقاموا بخفض العجز في الموازنات العامة والتقليل من الحواجز التجارية وخفض الضرائب وخصخصة الشركات وتحرير العديد من القطاعات مثل القطاع المصرفي.

 
وكنتيجة لذلك يشهد قطاع أعمال أفريقي ديناميكي نمواً، وتمتلك القارة حالياً أكثر من 1400 شركة مدرجة في البورصة، كما تفخر القارة بوجود أكثر من 100 شركة لديها تحقق عائدات تزيد علي مليار دولار، وقد ضمت شركات الاتصالات أكثر من 316 مليون مشترك جديد في خدمة الهواتف المحمولة بأفريقيا منذ عام 2000، وهو ما يزيد علي إجمالي سكان الولايات المتحدة، وأشارت الصحيفة إلي أن كلا من قطاع التجزئة والقطاع المصرفي يشهدان ازدهاراً مع صعود دخل القطاع العائلي، كما ينتعش قطاع الإنشاءات في الوقت الذي يتم فيه العمل علي بناء مدن جديدة.

 
ومن المرجح أن يدعم النمو الاقتصادي لأفريقيا، في المستقبل عدة اتجاهات طويلة الأمد، ومن بينها الطلب العالمي المتزايد علي النفط والذهب والماس وغيرها من السلع، وينمو هذا الطلب بشكل أسرع في الاقتصادات الناشئة في العالم، خاصة آسيا والشرق الأوسط، فعلي الرغم من العلاقات التاريخية مع أوروبا، فإن أفريقيا تجري نصف إجمالي عملياتها التجارية مع المناطق الاقتصادية النامية، التي يطلق عليها التبادلات الجنوبية ـ الجنوبية، وتستحوذ الاقتصادات الآسيوية مجتمعة علي %28 من إجمالي المعاملات التجارية لأفريقيا في عام 2008، وهو ما يعد أكثر من ضعف حصتها في عام 1990، وقد انكمشت حصة أوروبا الغربية من هذه المبادلات خلال نفس الفترة من %51 إلي %28.

 
وأشارت صحيفة »بيزنس ويك«، إلي أن هناك احتمالاً كبيراً أن تعيد أوروبا إحياء روابطها القديمة مع أفريقيا وصياغة روابط جديدة، ويمكن البدء عبر النظر إلي ما وراء المواد الخام التي تمكلها أفريقيا إلي مصدر أكبر للنمو الاقتصادي في المستقبل، وهو زيادة أعداد المستهلكين الأفريقيين بالمناطق الحضرية، حيث يعيش حالياً %40 من الأفريقيين في المدن، وهي نسبة تقترب من الصين، كما أنها تستمر في الازدياد، ويوجد بالقارة الآن 52 مدينة يصل عدد السكان بكل منها إلي أكثر من مليون نسمة، أي ما يساوي مدن أوروبا الغربية، ومن المتوقع أن يزيد عدد هذه المدن بمقدار 32 مدينة بحلول عام 2030، وكما هو الحال في الاقتصادات النامية يخلق النمو الحضري في أفريقيا مزيداً من الوظائف، كما يدعم الإنتاجية ويرفع من الدخول، ومن المتوقع أن ينمو عدد السكان من أصحاب الدخول المرتفعة بمقدار %50 خلال السنوات العشر المقبلة، ليصل  إلي 128 مليون شخص.

 
وكان إجمالي إنفاق القطاع العائلي في أفريقيا قد بلغ 860 مليار دولار في عام 2008، أي أكثر من كل من الهند وروسيا، وذكرت الصحيفة أن أسواق السلع الاستهلاكية في القارة تحقق بالفعل نمواً أسرع مرتين أو ثلاث من الدول الأعضاء في منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي، وقد تساوي 1.4 تريليون دولار من العائدات السنوية بحلول عام 2020، ومع توجيه أنظارهم علي هذه الغنيمة فإن العديد من الشركات الأوروبية تتوسع بالفعل في أفريقيا مثل يوني ليفر، وستاندرد تشارترد، وإس إي بي ميلر، حيث تعمل كل منها في عشر دول أو كثر بالقارة التي تضم أكثر من 50 دولة.

 
ويزيد النمو الحضري كذلك من الطلب علي الاستثمار في الطرق وأنظمة القطارات والمياه النظيفة وتوليد الطاقة الكهربائية وغيرها من مشروعات البنية التحتية في أفريقيا، وتري بعض الشركات أن هناك فرصاً إضافية لأفريقيا لكي تصبح مصدراً للطاقة النظيفة، حيث تم إطلاق مشروع المبادرة الصناعية الصحراوية من جانب اتحاد الشركات الأوروبية، الذي يضم شركة سيمينز، والذي يهدف إلي تحويل الطاقة إلي أوروبا من شبكة من مصانع الطاقة الشمسية ومزارع الرياح، سيتم بناؤها في أنحاء الصحاري في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، ومازال المشروع يواجه عقبات فنية، ومن المتوقع أن يستغرق إتمامه عدة سنوات، ولكن جهود إنجازه قد تعود بعائدات تقدر بـ400 مليار دولار من الاستثمارات المحلية.

 
كما تعثر العديد من الشركات أيضاً، علي فرص لخدمة العملاء الأوروبيين من أفريقيا، ففي شمال أفريقيا تستغل عدد من الدول قربها وعلاقاتها اللغوية مع أوروبا لجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية في مجال السياحة وخدمات الأعمال خارج البلاد والتصنيع المنخفض التكلفة المخصص للتصدير.

 
ويتمتع النشاط التجاري لأفريقيا النابض بالحياة أيضاً، بالعديد من الاحتمالات الأخري، ومع امتلاك أفريقيا لـ%60 من أراض غير المحروثة الصالحة للزراعة ومعاناتها من انخفاض حجم المحاصيل الزراعية، فإن القارة السوداء مستعدة لثورة خضراء مشابهة لتلك التي زادت من الإنتاج الزراعي في آسيا والبرازيل، وتقدر الصحيفة أن إجمالي قيمة الإنتاج في قطاعات الموارد بأفريقيا، يمكن أن ينمو بشكل ثابت من %2 إلي %4 في العام خلال العقد المقبل.

 
وأشارت صحيفة »بيزنس ويك« إلي استمرار وجود تحديات جدية ومخاطر أمام تحقيق النمو في كل دولة علي حدة، ولكن إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن أفريقيا سوف تلعب دوراً مهماً في الاقتصاد العالمي، وبحلول عام 2040، سوف تكون القارة موطناً واحداً من بين خمس من صغار السن في الكوكب وسوف يكون لديها أكبر عدد من سكان في سن العمل في العالم، وإذا تمكنت أفريقيا من منح صغار السن من سكانها تعليماً ومهارات كافية، فيمكن أن يصبحوا مصدراً حيوياً للاستهلاك والإنتاج في السنوات المقبلة.
 
ولا يمكن للرؤساء التنفيذيين في الشركات الأوروبية والمستثمرين تجاهل الاحتمالات الاقتصادية الهائلة لأفريقيا، ولا الاعتماد علي أن افتراض أن علاقاتهم التقليدية سوف تضمن لهم ميزة تنافسية، فهناك العديد من اللاعبين الجدد، ولكن أيضاً العديد من الفرص الجديدة التي تشجعه علي الدخول في اللعبة وكسب بعض الأرضية هناك.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة