سيـــاســة

إيران وتركيا وإسرائيل تستعرض قوتها في البحرين الأحمر والمتوسط


محمد يوسف

انتقل الصراع الإقليمي وسباق القوي الإقليمية في المنطقة من البر إلي البحر، خاصة مع استعراض القوة والصدامات الوشيكة بين قطع بحرية إسرائيلية وأخري إيرانية في البحر الأحمر، وتزايد الاحتكاكات الأخيرة بما ينذر بمعركة وشيكة بين الأسطولين الإيراني والإسرائيلي في محاولة للسيطرة علي الملاحة في البحر الأحمر، خاصة في المنطقة القريبة من باب المندب، وهي المنطقة التي لا تخضع لسيطرة أي دولة مطلة علي البحر الأحمر، وإن كان أي اشتباك بين القطع المرابطة للدولتين سيترك أثرًا كبيرًا علي الملاحة في البحر الأحمر بشكل عام، ويؤثر علي الملاحة في المجري المائي وبالطبع يؤثر علي مصر اقتصاديا، إضافة إلي محاولات الهيمنة الإقليمية.

 
وفي إطار الصراع الإقليمي أيضًا وفي ضوء التطورات الأخيرة بين تركيا وإسرائيل شهد البحر المتوسط أيضًا تحركات بحرية تركية وإسرائيلية، حيث بدأت البحرية التركية توسيع نشاطها ووجودها في البحر المتوسط، بل أعلنت تركيا أن قطعًا بحرية من أسطولها ستتولي حماية قوافل المساعدات الإنسانية المتوجهة إلي غزة، وكان تعليق إسرائيل علي ذلك أن تركيا تحاول استعراض عضلاتها في الشرق الأوسط، وأنها تسعي لزعزعة الوجود الإسرائيلي في المتوسط، وهو ما يدفع إسرائيل لتعزيز وجودها البحري في المتوسط وزيادة القطع البحرية به.

 
واعتبر خبراء سياسيون أن التحركات التركية الإسرائيلية في المتوسط أو الاحتكاكات الإسرائيلية الإيرانية في البحر الأحمر جميعها تدخل في إطار صراع القوي، وأن هذا الصراع يؤثر علي مصر كقوة إقليمية كبري، خاصة بعد صراعها الأخير علي الحدود مع إسرائيل، مؤكدين الأثر الذي يتركه التوتر البحري في المتوسط أو البحر الأحمر علي قناة السويس كأحد مصادر الدخل القومي المصري وغيرها من الآثار الممتدة علي مصر سياسيا واقتصاديا خلال الفترة المقبلة.

 
ويري محمد البحيري، خبير الشئون الإسرائيلية، أن الوجود الإيراني البحري بدأ منذ فترة في البحر الأحمر، ولذلك تخشي إسرائيل من تكرار ما فعلته مصر في حرب أكتوبر 1973، خاصة أن إيران تمتلك غواصات بحرية وصواريخ »بالستية« يمكن أن تصل إلي إسرائيل من البحر الأحمر، موضحًا أن التحركات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة تصب في إطار محاولات إسرائيل استيعاب المتغيرات التي تشهدها المنطقة، وتغيير قواعد اللعبة، وفي المقابل تأتي التحركات الإيرانية في محاولة استيعاب ما يترتب علي سقوط النظام السوري بوصفه الحليف الرئيسي لإيران والتداعيات التي ستترتب علي موقف حزب الله في لبنان، كما تسعي إيران لتحسين علاقاتها بمصر منذ ثورة 25 يناير ملوحة بصفقات اقتصادية مغرية في مجالات السياحة والتجارة والصناعة حتي إن مسئولاً إيرانيا تعهد بإرسال 20 مليون سائح إيراني لمصر، وفي الوقت نفسه تكثف إيران من جهودها لتحقيق التقارب مع مصر كقوة إقليمية علي حساب علاقات متوترة مع إسرائيل.

 
وأشار إلي أن هناك جزءًا رئيسيا من الصورة لا يجب أن يغيب عن الأذهان، وهو أن هناك سيطرة للأسطول السادس الأمريكي في منطقة باب المندب وبحر العرب، والأسطول الخامس في البحر المتوسط، وكلاهما في خدمة المصالح الإسرائيلية، موضحًا أنه لا يمكن الحديث عن تداعيات تلك التحركات علي مصر في المرحلة الحالية، لأن مصر في حالة تشبه التقوقع لترتيب أوضاعها الداخلية، ولذلك لن يجرؤ أي طرف خارجي إقليمي أو دولي علي اتخاذ أي إجراء »علني« يسيء إلي مصر ومصالحها في التوقيت الحالي، خوفًا من أن تتحول معاداة هذا الطرف إلي فقرة في البرامج الانتخابية لمرشحي البرلمان المصري ورئاسة الجمهورية لذلك يفضل الجميع بدء التقارب، وليس العكس، مضيفًا أنه رغم التحركات العسكرية برًا وبحرًا لن يصل الأمر لمعركة حربية محدودة بين إيران وإسرائيل لأن الأمر سيتوسع لحرب مفتوحة برًا وبحرًا ولا يوجد ما يدعو لذلك والظروف الإقليمية غير مهيأة في المرحلة الحالية لأي حرب أو تصعيد إقليمي لأن المتغيرات تعصف باستقرار المنطقة وستؤدي أي حرب إلي فوضي غير مسبوقة في المنطقة، خاصة مع تداخل التحالفات والأطراف.

 
من جانبه قال الدكتور مصطفي اللباد، مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والاستراتيجية، إن وجود القطع البحرية الإيرانية والتحركات البحرية الإسرائيلية في البحر الأحمر أو التحركات التركية في البحر المتوسط، هي استعراض عضلات، ورغبة في تنامي النفوذ الإقليمي، وبالنسبة لإيران فهي تعتبر البحر الأحمر هو المتمم الجغرافي للخليج العربي، الذي تسيطر عليه مع وجود غواصتين في بحر العرب وهي رسالة واضحة من إيران لإسرائيل بقدرتها علي نقل الحرب إلي المنطقة إذا نفذ هجوم أمريكي أو إسرائيلي عليها.

 
وأشار إلي أن البحر الأحمر كان يلقب بـ »البحيرة المصرية الخالصة« ومصر المعنية تاريخيا بالوجود في البحر الأحمر، وما يحدث من وجود أساطيل وقوي غير عربية في البحر الأحمر يعكس تراجع دور مصر خلال فترة حكم النظام السابق، مشددًا علي أن أمن البحر الأحمر هو أمن لمصر، وغياب الدور المصري في البحر الأحمر لابد أن حضورها حاسمًا في البحر الأحمر ينتهي لتكون هناك خطوة لاحقة لسد فراغ القوة الذي خلفه غياب مصر وسمح للقوة الإقليمية بأن تعبث بأمن المنطقة.

 
من جانبه قال السفير محمد بسيوني، سفير مصر الأسبق في إسرائيل، إن أثر التحركات البحرية، سواء لإسرائيل أو إيران أو تركيا علي مصر، لا يتعدي الشكل السياسي لصراع الزعامة الإقليمية والذي تغيب عنه مصر بسبب الظروف الداخلية، لكن الانعكاس الفعلي أثره ضعيف، فالوجود المصري في البحر الأحمر وجود تاريخي والهيمنة عليه لطرف بعينه أمر صعب، لكن ما تقوم به إيران هو استعراض قوة ورسالة موجهة إلي الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تود من خلالها أن يعرف الطرفان أن إيران قادرة علي نقل الحرب إلي الشرق الأوسط، خاصة أن غواصاتها قادرة علي حمل رؤوس نووية، كما أن إسرائيل لها غواصات نووية بالفعل في البحرين الأبيض والمتوسط منذ فترة، والكل يسعي لحماية مصالحه واستعراض عضلاته خاصة في ظل المتغيرات الكبري التي تشهدها المنطقة.

 
وأشار إلي أن تبادل استعراض القوي في البحرين المتوسط والأحمر لا يعني غياب مصر، لكن انشغال مصر بالأوضاع الداخلية والقناعة بأن تلك القوي لا تستطيع الهيمنة علي أي من البحرين يجعل مصر لا تهتم.

 
وأشار إلي أن ما يحدث من رسائل متبادلة في إطار خلافات إقليمية بين تلك القوي وفي حال وقوع أي معارك بحرية محدودة أو واسعة لن تكون مصر طرفًا فيها وأثرها لن يتعدي تعطيل الملاحة في القناة لوقت قصير.

 
أما الدكتور مصطفي علوي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، فيري أن منطقة الصراع في جنوب المتوسط وأريتريا بعيدة عن مصر، وأي احتكاكات لن يكون لها تأثير مباشر علي مصر، لكن هناك تحركات بحرية إسرائيلية مؤخرًا، منها إرسال سفينتين بحريتين لحدودها مع مصر في البحر الأحمر، وذلك في إطار التحركات الإسرائيلية لمواجهة الاختراقات الإرهابية عن طريق البحر أو محاولات كسر الحصار علي غزة.

 
وأشار إلي أن التحركات البحرية الإسرائيلية في البحر الأحمر أو المتوسط ليست جديدة وإن كثفت من وجودها بسبب التغيرات في المنطقة ولكن الجديد الذي بدأ منذ عدة شهور هو الوجود الإيراني في البحر الأحمر في منطقة بحرية أمام إريتريا في المياه الدولية، وهو أمر استفز إسرائيل، مما دفعها لتكثيف وجودها البحري في هذه المنطقة، لكن ذلك غير مؤثر علي مصر، لكن يستوجب وجود مصري مستقبلي في مياه الأحمر، الذي كان يعد بحيرة عربية خالصة في السابق وكانت مصر هي المهيمن الأكبر عليه منذ حرب 1973، لكن في عهد النظام السابق تراجع هذا الوجود وتزايد في الوقت نفسه الوجود البحري الإسرائيلي، وبالتالي فجميع التحركات البحرية في الشرق الأوسط تأتي في إطار استعراض القوي والتخوف من المتغيرات التي تجتاح المنطقة.

 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة