استثمار

من يأمن له؟


قال عنا ذات يوم فى حديث قديم له فى شبكة «CBS» قبل أن تُسقط ثورة التحرير نظام مبارك «القمص الفاجر » ، بلغة إنجليزية «بالغة الركاكة » ، إننا جميعًا يقصد كل الثوار المصريين الموجودين بمئات الألوف فى ميدان التحرير أيام الثورة يصنعون لمصر - بأرواحهم وقهر الأمن - تاريخًا جديدًا، قال عنا إننا جميعًا عملاء نحمل «أجندات أجنبية » ، وإن فى جيب كل منا «ورقة بمائة دولار » مع أن   الكثيرين كانوا قد وصولوا إلى الميدان الكبير «كعابي »  على أقدامهم لضيق ذات اليد، مدفوعين «بغضب » عمره عشرات السنين مقررين إسقاط النظام، ووضع نهاية لحكم العسكر الذى ذقنا خلاله ما لم يذقه قبلنا شعب، ولن يذقه بعدنا شعب بفعل الربيع العربى الذى صنعناه !

ثم تمطع الجنرال ليستكمل كلامه الذى تناساه بالقول - يقصدنا طبعًا - إن هؤلاء لا يعرفون معنى كلمة الديمقراطية التى ينادون بها، ولا يستحقونها، مشيدًا بكل ما فعله مبارك لشعب ناكر للجميل، لا يستحق النعمة، وكل ده بالإنجليزى بتاعه الذى كان يحتاج لمترجم من إنجليزيته إلى الإنجليزية التى نفهمها !

ويقول الذين تابعوا مشوار حياته المجهول إن «الجنرال عمر سليمان » هو رجل «بغير ملامح » لم يضبط يوم مبتسمًا فيما عدا عند مصافحته لشمطاء إسرائيل «تسيبى ليفني » ، ذى «نظرة خاوية » المعنى محفورة على وجه «جامد التعبيرات » ، يثير من الخوف أكثر مما يدفع للطمأنينة، وجه خال من «تقاطيع الرحمة » فلا تعرف إن كان سعيدًا أو حزينًا، بوجه مفلطح تغيطه نظارة سوداء، وبشرة كالحة اللون، وإن سمعت تحتها صوت «ألف وابور طحين » ، مستعدة كلها لطحن لحمك وعظمك مع دفن الناتج فى أى حفرة بالصحراء، فهو لا يسأل عما يفعل لأنه صاحب الحق الوحيد فى السؤال، وإن لم تجب فإنك تصبح مرحومًا ممنوع على أهله تلقى العزاء، ذلك أن كل أهل الفقيد يكونون جميعًا فى معتقل مجهول العنوان !

والغريب هو أن صحف إسرائيل كلها رحبت به فور تقدمه للترشح إلى «كرسى العرش المصري » ، بل إن كل الدوائر الإسرائيلية دعمت ذلك الترشح متصورة أن المصريين يحتاجون إلى مشورتها التى أرادت أن تخدمه بها فقطمت رقبته لدى الرأى العام المصرى، وإذا كان حسنى مبارك هو «المخلوع الأول » ، فإن كل الأقدام المصرية ما زالت تعرف الطريق إلى ميدان التحرير لتجعل منك - حتى لو ركب السلطة - المخلوع الثاني !

والمصيبة هى أن بعض الحواريين الذين دفعوا بالرجل إلى أن يتخلى عن الحكمة التى التزمها منذ بدء مهرجان المرشحين للرياسة ليدخل المعمعة قد أقنعوه بأنه «سليمان الحكيم » ، وليس «عمر سليمان » ، وأن أحدهم قد تحدث بقدرته على أن يأتى لعمر سليمان بعرش مصر قبل أن يقوم من مقامه، بينما أقنعه حوارى ساحر بقدرته على أن يأتى لعمر سليمان بعرش مصر قبل أن يرتد إليه طرفه .. فصّدق الرجل !

صحيح أن «هدهد » سليمان الحكيم هو بداية عصر المخابرات، إلا أن لغة الهدهد لا يعرفها سوى الحكيم - بعطاء إلهى - ولأن عمر سليمان لا يفهم «لغة الهدهد » الذى أتاه من الشعب المصرى «بخبر يقين » ، فإنه صدق «هداهد » مبارك الذين ما زلوا يطيرون فى سماء مصر فى انتظار ما ينقضون عليه ليساعدوا به الجنرال العتيق ليساعدهم هو بعد ذلك على العودة لأعشاشهم القديمة، وقد نسى سليمان وهداهده أن الأشجار القديمة جار قطعها، وأن الأعشاش التى كانت عليها جار إحراقها حتى لو بدا الأمر غير ذلك، وأن كل الصقور المصرية التى خرجت ذات يوم لثورة التحرير مستعدة للعودة من جديد للانقضاض على هداهد سليمان لتنقية السماء المصرية من كل الغربان التى تطير بأجنحة الهداهد .. وبريشها المزيف !
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة