اقتصاد وأسواق

الأمن المائي‮.. ‬التحدي الجديد لاقتصاد آسيا ودولها


إعداد - نهال صلاح

تعاني قارة آسيا ازمة مياه نتيجة اصطدام الاحتياطيات التي لا تملك امكانية تغطيتها بحقيقة محدودية المعروض من المياه، واذا تحققت التوقعات الخاصة بظاهرة التغير المناخي فإن موارد المياه قد تزداد انكماشًا بحدة.


ويتحدث بنك التنمية الآسيوي عن ازمة تلوح في الافق وتهدد امكانية الحصول علي المياه واستخداماتها في الاغراض الصحية للملايين من الاسر والصناعات، وحذر البنك من ان القارة قد تتعرض لازمة مياه حادة خلال 20 عاما ما لم يتم استغلال الموارد الآخذة في التناقص وادارتها بشكل فعال.

وقال ارجون تابان، المستشار البارز في البنك في العاصمة الفلبينية مانيلا، علي هامش مؤتمر عن المياه، استمر خمسة ايام، إن آسيا في منتصف ازمة مياه متضخمة، ويرجح ان تتفاقم في حال تركت دون مواجهة.

واضاف تابان ان »نصيب الفرد من موارد المياه يتراجع في كل مكان بالمنطقة وهو ما يهدد الانتاج الغذائي، ويؤثر ايضا علي امن الطاقة، وكان اكثر من 600 مسئول حكومي وممثل لمنظمات غير حكومية وشركات خاصة قد شاركوا في المؤتمر الذي نظمه البنك بهدف البحث عن حلول لأزمة المياه المتفاقمة في المنطقة.

واشار البنك الآسيوي الي ان عدد السكان المتزايد، والتمدن السريع، والطلب علي المياه من قطاعات الزراعة، والطاقة، والصناعة، والمناطق الحضرية، قد ترك مخزونات المياه في الكثير من الدول الآسيوية في وضع خطير، وقال البنك إن هناك تقديرات تشير الي انه مع حلول عام 2030 سيكون هناك عجز نسبته %40 بين العرض من امدادات المياه، والطلب في المنطقة، مع تعرض الانتاج الغذائي لتهديد وتزايد التوترات عبر الحدود بشأن موارد المياه المشتركة في احواض الانهار«.

واعرب البنك عن اسفه الشديد من ان مخزون المياه الجديد يتضاءل، ومن ان استخدام المياه في آسيا لا يزال يتسم بعدم الكفاءة والتبديد، واشار الي ان التسرب في انظمة امدادات المياه في المناطق الحضرية وحده يشكل خسارة كبيرة تبلغ 29 مليار متر مكعب سنويا في آسيا، قيمتها حوالي 9 مليارات دولار.

ودعا »تابان« إلي مزيد من مشاركة القطاع الخاص في ادارة مرافق المياه من اجل المساعدة في تحسين كفاءتها، وحذر من انه في خلال الخمس الي العشر سنوات المقبلة اذا لم يتم تطبيق المبادرات التي تهدف الي ضمان كفاءة اكبر من استخدام المياه فإن هناك خطرا حقيقيا يتهدد دول القارة.

وذكرت وكالة رويترز للانباء أن التوقعات التي اصدرتها العام الماضي مجموعة مصادر المياه، وهي اتحاد من شركات للقطاع الخاص تشكلت لمعالجة قضية الامن المائي، تشيرا الي فجوة عالمية بمقدار %40 بين المعروض والطلب علي المياه بحلول عام 2030 اذا استمر الوضع علي ما هو عليه دون تطبيق التوصيات المطروحة.

ويبدو عدم التوازن كبيرا بشكل خطير في الهند حيث ان الاتجاه نحو توفير النظام الغذائي الذي تتطلبه الطبقة المتوسطة سوف يزيد من الطلب علي اللحوم والسكر والقمح وهي المنتجات التي تحتاج الي الكثير من المياه لانتاجها.

وتستهلك الزراعة حوالي %90 من المياه في الهند، وبحلول عام 2030 فإن الطلب سوف ينمو الي ما يقرب من 1.5 تريليون متر مكعب بالمقارنة بالمعروض حاليا والذي يصل الي حوالي 740 مليار متر مكعب، وفقا لتقرير اعدته مؤسسة »ماكينزي« لتقديم الاستشارات لمجموعة مصادر المياه.

وكنتيجة لذلك فإنه في غياب العمل المشترك قد تواجه احواض الانهار بالهند نقصا حادا في المياه بحلول عام 2030.

ونقص المياه المرجح حدوثه في الصين يمكن التحكم فيه، وادارته علي الورق فقط -فهناك نقص بمقدار 200 مليار متر مكعب، ولكن %21 من مصادر المياه السطحية في البلاد ليست صالحة حتي للاستخدام الزراعي والذي يستهلك حوالي %70 من المياه في البلاد.

وما يجعل مثل هذه التوقعات اكثر اثارة للمخاوف ان ظاهرة الاحتباس الحراري وارتفاع حرارة الارض تعمل بالفعل علي الذوبان التدريجي للانهار الجليدية في هضبة الهيميلايا والتي تغذي الدول المجاورة لها ومن بينها الهند وباكستان بالاضافة الي الصين نفسها.

واضافت وكالة رويترز ان اكثر من %80 من الانهار الجليدية في غرب الصين تتعرض لحالة من الذوبان حاليا، وفقا لدراسة اجرتها مجموعة تتكون من علماء صينيين متخصصين في ظاهرة التغير المناخي وتم نشرها في عدد سبتمبر من جريدة »ناتشر« العالمية وذكرت الدراسة انه من المتوقع ان تختفي ما بين %5 و%27 من منطقة الانهار الجليدية في الصين بحلول عام 2050.

واشار العلماء في هذه الدراسة الي انه رغم استمرار عدم التأكد من التوقيت المحدد والمقدار الذي سيصل فيه كل نهر جليدي الي اقصي نقطة له من حيث الذوبان، فإن التوقعات طويلة الاجل لاستهلاك المعروض من مياه النهر الجليدي ينبغي ان يكون لها تأثير مهم علي توافر المياه لكل من الزراعة والاستهلاك الآدمي.

ولأن %60 من المياه المتدفقة من الانهار الجليدية في الصين تتجه الي خارج البلاد، فإن هذا الامر قد يمثل مشكلة، وتخطط الصين لبناء مزيد من السدود علي نهر ميكونج وغيره من الانهار الكبري التي تندفع من هضبة التبت التي يقع جيران الصين الجنوبيون علي حرفها.

واعرب »تابان« المستشار البارز في بنك التنمية الآسيوي، عن اعتقاده بأنه طالما وضع في الاعتبار اهمية الادارة عبر الحدود للمياه فإن منطقة الهيميلايا من المرجح ان تصبح نقطة تحول.

واضافت وكالة رويترز ان مخاطر حدوث نزاع حول حقوق المياه يتم تضخيمه بسبب امتلاك الصين والهند أكثر من ثلث سكان العالم ويجب عليهما تدبير امورهما باقل من %10 من مياهه.

وصرح يوشي فوناباشي، رئيس تحرير جريدة »اساهي شيمبون« اليابانية بأنه رغم ان كلتا الدولتين تسعيان لأن تصبحا قوتين في القرن الواحد والعشرين فإن نقطة ضعفهما هي المياه.

وتعتبر الهند وباكستان نقطة خلاف مرجحة اخري، فقد تمكنت معاهدة مياه نهر السند، التي وزعت حقوق استخدام النهر في اعقاب تقسيم الهند في عام 1947 من الصمود خلال ثلاثة حروب اندلعت بين الدولتين الجارتين منذ توقيعها في عام 1960، ولكن الاتفاق يتعرض لضغوط من جانب خطط الهند الساعية لبناء مزيد من السدود في مصب النهر ومشروعاتها لتغيير مسار المياه.

فما الذي يجب عمله مع معرفة ان الزراعة تشكل قرابة %70 من الاستخدام العالمي للمياه فسيكون من المهم زيادة المحصول عبر تقنيات التنقيط الحديثة وزراعة المحاصيل التي تحتاج الي مياه اقل.

ويقول رئيس تحرير جريدة »اساهي شيمبون« اليابانية، ان النفط يمكن في النهاية استبداله بمصادر اخري للطاقة ولكن لا ينطبق الامر نفسه علي المياه، كما ان المياه ترتبط ارتباطا وثيقا بالغذاء والطاقة والتغير المناخي، وبهذا المعني فإن المياه هي مكون رئيسي من مكونات الامن القومي.

واضاف انه اذا كان القرن العشرون قد شهد نهوض وسقوط أمم بسبب النفط، فإن القرن الواحد والعشرين يمكن ان يكون القرن الذي يتحدد خلاله نهوض وسقوط الدول عبر مدي توافر المياه.

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة