اقتصاد وأسواق

المفوضيه ديون‮ »‬الاتحاد‮ الاروبى « ‬تقفز إلي‮ ‬%100‮ ‬من الناتج المحلي في‮ ‬2014


إعداد - خالد بدرالدين
 
تتوقع المفوضية الأوروبية ارتفاع إجمالي ديون حكومات منطقة اليورو الـ16 إلي %85 من ناتجها المحلي الإجمالي مع نهاية هذا العام، بينما يصل إجمالي ديون حكومات الاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 دولة إلي %100 من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2014 وارتفاعه أكثر وأكثر بعد ذلك.

 
وجاء في تقرير المفوضية الذي نشرته صحيفة »فاينانشيال تايمز« مؤخراً أن حكومات الاتحاد الأوروبي اضطرت تحت ضغوط الأزمة المالية العالمية والركود الاقتصادي منذ عام 2008 وحتي الآن إنفاق مئات المليارات من اليورو لإعادة رسملة القطاعات المالية وتنفيذ التدابير التحفيزية لتعزيز الطلب وحماية العاملين وعدم ارتفاع معدل البطالة.
 
لكن كل هذه التكاليف تبدو ضئيلة أمام الدعم الضخم الذي تقدمه حكومات أوروبا لسكانها الذين يتجهون نحو الشيخوخة، لاسيما أن نسبة المسنين إلي العاملين ترتفع بدرجة حادة لأن معدلات المواليد منخفضة، وأعمار السكان تتزايد أكثر وأكثر بفضل الرعاية الصحية المتقدمة.
 
ويواجه الاتحاد الأوروبي زيادات لا تحتمل في فوائد الديون وتكاليف المعاشات والرعاية الصحية علي المدي الطويل خلال العقود المقبلة ما لم يبذل صناع السياسة جهوداً طموحة لتعديل ميزانيات حكومات الاتحاد وإجراء إصلاحات هيكلية للقضاء علي العجز في هذه الميزانيات الذي وصل إلي أكثر من %6.1 من الناتج المحلي الإجمالي لدول اليورو منذ العام الماضي وحتي الآن، مقارنة بحوالي %0.5 فقط عام 2007 ثم ارتفع إلي %1 عام 2008.
 
وفي بداية يوليو 2009 حذر جواكين المونيا، مفوض الشئون النقدية للاتحاد الأوروبي، وزراء مالية الاتحاد من عدم الاعتماد علي البيانات التي ترسلها حكومة اليونان لبروكسيل. فقد أكد جواكين المونيا أن العجز في ميزانية حكومة اليونان المحافظة يتجاوز %10 من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو ما أعلنته حكومة اليونان الجديدة الاشتراكية عندما تقلدت السلطة.. لكن المسئولين في الاتحاد الأوروبي لم يتخذوا أي إجراء إلا بعد ذلك بثلاثة شهور علي الأقل، حيث كانوا يرون أنه ليس من اللائق إحراج حكومة جديدة واجهت صعوبات أثناء حملتها الانتخابية، لاسيما أنها عضو شقيق في الاتحاد.
 
وإذا كانت القواعد المالية التي حددها الاتحاد الأوروبي للدخول في عضوية اليورو تنص علي أن الديون الحكومية للدولة، لا تزيد علي %60 من ناتجها المحلي الإجمالي وأن العجز في الميزانية لا يزيد علي %3، إلا أن صناع السياسة الألمان يؤكدون أنه بمجرد انضمام الدولة لعضوية اليورو فإنها لا تلتزم بهذه النسب.
 
ويؤكد جاك ديلورس، رئيس المفوضية الأوروبية القوي خلال الفترة من عام 1985 إلي عام 1995 أن دول اليورو لا تلتزم فعلا بهذه النسب بعد انضمامها لعضوية اليورو لدرجة أن ألمانيا صاحبة أقوي اقتصاد في أوروبا اقترب العجز في ميزانيتها من %3 بسرعة كبيرة مع حلول عام 2002 وتجاوز هذه النسبة في العام التالي. ولذلك حاولت المفوضية الأوروبية عام 2003 إقناع فرنسا وألمانيا باتخاذ تدابير متشددة لخفض العجز في ميزانية كل منهما.. دون جدوي، لدرجة أن وزراء مالية الاتحاد في اجتماعهم يوم 25 نوفمبر من 2005 أجلوا الإجراءات العنيفة التي كان يتعين اتخاذها ضد باريس وبرلين مما جعل أقوي دول اليورو بعيدة عن أي عقاب رغم انتهاكها قواعد الاتحاد لمدة ثلاث سنوات متتالية.
 
ويقول باسكال لامي، مدير عام منظمة التجارة العالمية »WTO «، إن الدول الصغيرة في منطقة اليورو كانت تؤيد المفوضية الأوروبية بضرورة اتخاذ تدابير متشددة ضد ألمانيا وفرنسا.. ولكن بريطانيا وإيطاليا طالبتا المفوضية بمنح ألمانيا وفرنسا فرصة أخري لتوفيق أوضاعهما المالية، مما جعل باسكال لامي يؤكد وجود قانون يطبق علي الدول القوية وقانون آخر يطبق علي الدول الضعيفة في منطقة اليورو.
 
ويؤكد ذلك أن صناع سياسة الاتحاد الأوروبي في منتصف عام 2005 أعادوا صياغة اتفاقية الاستقرار المالي، بحيث تم تحقيق قواعدها وعدم معاقبة أي دولة تنتهك هذه القواعد، لاسيما بالنسبة للعجز الضخم في ميزانيتها.
 
ورغم أن رد فعل الأسواق المالية كان معتدلا إزاء هذه التغييرات الجوهرية في قواعد الاتحاد، لكنها كانت أول غلطة جسيمة يرتكبها المسئولون في منطقة اليورو لأنها فتحت الباب أمام دول أخري ترفع العجز في ميزانيتها دون أن تتعرض للعقاب حيث نقول بسهولة إنها مثل ألمانيا.
 
وهكذا تعرضت مصداقية الاتحاد الأوروبي للدمار لدرجة أن رومانو برودي، رئيس المفوضية الأوروبية من عام 1999 إلي عام 2004، »زاد الطين بلة« عندما أكد أن اتفاقية الاستقرار المالي »غبية«، لأنها تنص علي فرض عقوبات علي دول تعاني أصلا من مشاكل مالية.
 
وعندما تقدم الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي بخطة إنقاذ اليونان بمنحها 110 مليارات يورو في مايو الماضي قال بعض كبار المسئولين الأوروبيين مثل جون بروتون، رئيس وزراء أيرلندا السابق، وكارل أوتو يول، محافظ البنك المركزي الألماني السابق، إنهم شعروا بمفاجأة وربما بصدمة عندما وافقت المفوضية الأوروبية علي انضمام اليونان إلي عضوية منطقة اليورو، وكان يتعين رفضها أصلا.
 
والدليل علي ذلك أن حكومة اليونان بعد انضمامها لعضوية اليورو في عام 2001 أعلنت بعد أربع سنوات، أنها ضللت المفوضية ببيانات غير صحيحة عن ميزانية الحكومة التي قدمتها لتضمن تأهيلها للعضوية، فقد كان العجز في ميزانيتها يتجاوز نسبة %3 المحددة في قواعد العضوية.
 
والغريب أن صناع سياسة الوحدة النقدية الأوروبية كانوا يريدون الابتعاد عن هيمنة منطقة المارك الألماني التي تتكون من ألمانيا وجيرانها الخمسة.. ولذلك وافقوا بسرعة علي انضمام اليونان وايرلندا والبرتغال لأسباب سياسية أكثر منها لظروفها الاقتصادية، رغم أن هذه الدول الثلاث هي الآن الأكثر تعرضا لمخاطر الديون السيادية في منطقة اليورو.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة