اقتصاد وأسواق

الوقود الحيوي‮.. ‬الاحتكار‮.. ‬والتقلبات المناخية وراء ارتفاع الأسعار


سيد حامد
 
أرجع عدد من الخبراء ارتفاع أسعار السلع الزراعية إلي عدة عوامل في مقدمتها التغيرات المناخية والتقلبات في أحوال الطقس، بالإضافة إلي احتكار كبار التجار للسوق السلع الزراعية في ظل غياب الرقابة، فضلاً عن قيام عدد من الدول ذات الفوائض الكبيرة من السلع الزراعية باستخدام تلك السلع في صناعة غاز الإيثانول كوقود بديل للسيارات، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلي خفض فاتورة الاستيراد وبالتالي ارتفاع الأسعار العالمية.


 
وأشاروا إلي خطورة قيام بعض الدول مثل البرازيل والولايات المتحدة الأمريكية بتحويل عدد من الأراضي الزراعية من إنتاج الطعام إلي الوقود الحيوي »الايثانول« لأن ذلك قد يؤدي إلي حدوث أزمة غذاء عالمية لا يمكن التصدي لها في ظل رغبة الشركات العالمية في جني المزيد من الأرباح من وراء ارتفاع أسعار برميل البترول الذي يجعل دولاً أخري في حاجة إلي الوقود الحيوي »الوقود الأخضر« الذي تعتبر تكلفته أقل من الوقود العادي.

وكانت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة »الفاو« قد أشارت مؤخراً في اجتماع طارئ لها قبل يومين إلي أن التقلبات الحالية في أسعار المواد الغذائية تشكل تهديداً كبيراً للأمن الغذائي وتعرض ما يقرب من المليار شخص للإصابة بأمراض سوء التغذية في العالم، محذرة من مخاطر الارتفاع المطرد في أسعار الحبوب واللحوم والسكر، كما أشار المحلل الاقتصادي جانز يجيلر، المفوض الخاص للأمم المتحدة لشئون الحق في الطعام مؤخرا، إلي أن التحول إلي الوقود الحيوي »الوقود الأخضر« علي حساب السلع الزراعية بمثابة »جريمة ضد الإنسانية«.

أكد الدكتور مختار الشريف، الخبير الاقتصادي، أن ارتفاع أسعار الغذاء في الأسواق المصرية، يرجع إلي التغيرات المناخية وموجات الحر الملتهبة والتي كانت لها آثار سلبية علي معظم الزراعات الأمر الذي يؤدي إلي قلة الإنتاج وانخفاض حجم المعروض المحلي وبالتالي رفع الأسعار.

وأضاف »الشريف«: أن ارتفاع درجة حرارة الجو والتغيرات المناخية أديا إلي خفض إنتاجية مصر الزراعية الأمر الذي أدي بدوره إلي ارتفاع أسعار الخضروات والفاكهة بطريقة غير طبيعية نتيجة انخفاض حجم الإنتاج المحلي وقلة المعروض منها.

وفيما يتعلق بالوقود الحيوي أشار »الشريف« إلي أن البرازيل تستخدم أحدث الأساليب التكنولوجية الحديثة لتحويل كميات كبيرة من السكر إلي الوقود الحيوي »الايثانول« مما يؤدي إلي ارتفاع فاتورة الاستيراد من السكر وبالتالي نقص المعروض العالمي الذي يؤدي إلي رفع الأسعار.

وأوضح »الشريف« أن أسعار بعض السلع الزراعية المستخدمة في صناعة غاز الايثانول مرتبطة بسعر برميل البترول، مؤكداً أن ارتفاع أسعار البرميل إلي أعلي معدلاته يؤدي في المستقبل إلي توجه عدد من دول العالم إلي تحويل العديد من السلع الزراعية إلي الوقود الحيوي الأحفوري »الفحم - النفط«، الأمر الذي من شأنه أن يقلل المعروض العالمي من السلع الزراعية، وبالتالي ارتفاع الأسعار وعدم قدرة الدول الفقيرة علي توفير احتياجاتها من الغذاء.

وكان المحلل الأمريكي ستيفان شتاينبرج قد صرح مؤخراً بأن موضوع الوقود الحيوي قد تم طرحه في البداية كوسيلة لحماية البيئة، ولكنه تحول بعد ذلك إلي وسيلة لجني مزيد من الأرباح ليكون بديلاً للوقود العادي، وأصبح الوقود الحيوي خلال السنوات القليلة الماضية مصدراً لتوليد معدلات هائلة من الأرباح للقطاع الصناعي الخاص، مضيفاً أن هناك مساحات ضخمة من الأراضي الزراعية علي مستوي العالم قد تم تحويلها مؤخراً من إنتاج الطعام إلي إنتاج الوقود الحيوي »الايثانول«.

ومن جانبه أكد الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي أن ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية من الخضار والفاكهة يرجع إلي الموجات الحارة والتقلبات الشديدة في أحوال الطقس التي تعرضت لها البلاد مؤخراً والتي كانت لها الأثر الأكبر في حدوث تأثيرات سلبية علي قطاع الزراعة الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلي خفض الإنتاج المحلي ونقص المعروض من السلع الزراعية.

أضاف »عبده« أن ارتفاع درجات الحرارة بصورة ملحوظة أدي إلي انخفاض معدل الإخصاب والتكاثر لمعظم المحاصيل الزراعية، خاصة الخضروات والفاكهة مما تسبب في انخفاض حاد في إنتاجية معظم الأراضي المزروعة من الطماطم والثوم والخيار.

وأوضح »عبده« أن مشكلة الأمن الغذائي وارتفاع الأسعار العالمية لا تتعلق بالتغيرات المناخية فقط، ولكنها تتعلق أيضاً بقيام عدد من الدول التي تعاني من أزمة في الطاقة والمعروفة بأنها من كبار الدول المصدرة للسلع الزراعية إلي اللجوء لاستغلال بعض المحاصيل الزراعية في إنتاج غاز الايثانول المستخدم كمصدر للطاقة الأمر الذي يؤدي إلي ارتفاع فاتورة الاستيراد في ظل نقص المعروض العالمي الذي يؤدي إلي ارتفاع الأسعار العالمية.

وأكد الدكتور طارق سليم، الخبير الاقتصادي، أن الممارسات الاحتكارية تلعب دوراً أساسياً في رفع أسعار العديد من السلع، خاصة السلع الزراعية، مشيراً إلي أن الاحتكار يأخذ عدة أشكال أهمها الاتفاق بين المنافسين علي سعر معين أو الكمية التي يتم توزيعها في السوق والتي  غالبا ما تهدف إلي رفع الأسعار وتقليل الكمية المعروضة.

وأضاف »سليم« أن التجار المحتكرين في مصر يسعون نحو »تعطيش السوق« من أجل التحكم وفرض السيطرة علي السوق برفع الأسعار الناتج عن نقص المعروض، مؤكداً أن القانون المصري لا يجرم  المحتكرين علي الرغم من أن المحتكر يتلاعب في الأسعار وعادة ما يحرم محدودي الدخل من الحصول علي السلع الغذائية بأقل الأسعار وبكمية تكفي احتياجاتهم.

وأرجع »سليم« ارتفاع الأسعار بصفة عامة إلي وجود محتكر أو قلة قليلة تسيطر علي السوق في ظل غياب الرقابة الحكومية بالإضافة إلي التغيرات المناخية والتي أثرت مؤخراً علي الأراضي الزراعية علي مستوي مصر بصفة خاصة والعالم بصفة عامة، مؤكداً أن التغيرات المناخية ناتجة عن ظاهرة الاحتباس الحراري التي تعد بمثابة مشكلة عالمية تحتاج إلي تكاتف دول العالم لحلها.

الجدير بالذكر أن التقرير الرسمي الذي أصدره مركز البحوث الزراعية التابع لوزارة الزراعة أكد أن التغيرات المناخية التي تشهدها مصر أدت إلي انخفاض إنتاجيتها الزراعية بنسبة تجاوزت %70 مقارنة بإنتاجيتها في العام الماضي، وهو ما أدي إلي ارتفاع أكثر الخضر والفاكهة بطريقة غير مسبوقة وصلت إلي ثلاثة أضعاف سعرها في السابق نتيجة قلة المعروض منها، وعلي سبيل المثال حققت أسعار العنب زيادة قدرت بنحو %66 وأسعار الموز %45.

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة