سيـــاســة

اختطاف ســــــــــــــيناء


فيولا فهمى- شريف عيسى- إبراهيم سمير

يعتبرها البعض شائعات مغرضة، وآخرون تعاملوا معها على أنها جس نبض لقياس مدى قبول الرأى العام، ولكن مخطط «غزة الكبيرة» الممتد إلى شرق سيناء حقيقة استراتيجية تسعى إلى التحقيق برعاية إسرائيلية وأمريكية، لا سيما فى ظل تصاعد التوترات العسكرية فى قطاع غزة والخواء الأمنى فى سيناء بعد رفع قوات الجيش والأمن حالتى التأهب القصوى ونشر تعزيزات أمنية مكثفة عقب تفجير وتدمير مقر للمخابرات في رفح ومبني تابع لقوات الأمن المركزى بوسط سيناء أمس الأحد.

 
وفى هذا الإطار كشف نشطاء سيناويون أن الحكومة أجرت مفاوضات مع شيوخ القبائل لجس النبض حول امكانية نزوح الفلسطينيين فى قطاع غزة إلى شرق سيناء- على سبيل الاستثناء- إلا أن شيوخ القبائل، رفضوا ذلك لإجهاض مخطط التوطين فى سيناء أو احتمالات تحويلها لوطن بديل للفلسطينيين، خاصة أن هناك محاولات تجرى على استحياء لتملك الفلسطينيين أراضى فى سيناء بأسماء مواطنين مصريين، فيما أوضحت القيادات التنفيذية فى سيناء أن الأمر لا يعدو كونه شائعات تستهدف إثارة البلبلة والاحتقان ضد النظام السياسى الحالى، إلا أن النفى لا ينفى الخطر الداهم الذى يحاصر «أرض الفيروز».

من جانبه لم يستبعد الدكتور سمير غطاس، مدير مركز مقدس للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية، توطين الفلسطينيين النازحين عبر رفح فى سيناء فى ظل حالة الترهل الأمنى والاستراتيجيات والخطط المعدة مسبقاً من قبل إسرائيل لأحداث تهجير الفلسطينيين وبناء مدن جديدة لهم فى سيناء. وأضاف: إن هناك مشروعات قديمة سبق واقترحتها إسرائيل ومنها المشروع الذى قدمه الجنرال «جيورا ايلاند» مستشار الأمن القومى فى عهد حكم ارائيل شارون بإقامة توسعات فى قطاع غزة، حيث يعد القطاع من أعلى الكثافات السكانية فى العالم، ويبلغ عدد سكانه أكثر من 1.6 مليون نسمة فى مساحة لا تتجاوز 338 كيلو متراً مربع، ويعتمد المخطط الإسرائيلى على ضم 600 كيلو متر مربع من سيناء مقابل منح مصر ممراً عبر صحراء النقب يربط بين مصر والأردن، ويسمح بتدفق التجارة بين البلدين، ولكن مثل هذه المشروعات لم تلق أى قبول من مصر لأنها تمثل خطورة كبيرة على الأمن القومى المصرى.

وأكد غطاس أن الخطورة الأكبر فى الاتفاق الذى تسعى إسرائيل إلى إجبار مصر عليه مقابل وقف إطلاق النار على قطاع غزة ويتمثل فى أن تتحمل مصر المسئولية الأمنية والسياسية والاقتصادية عن القطاع على أن يتم فتح معبر رفح بالكامل بين سيناء وغزة وغلق المعابر الخمسة بين غزة وإسرائيل، وبذلك تصبح تبعية قطاع غزة، ضمن سيادة الدولة المصرية وليس الضفة الغربية.

واشترطت إسرائيل أن يتم هذا الاتفاق مع رئاسة الجمهورية ويكون بضمانة شخصية من الرئيس المنتخب محمد مرسى وليس مع جهاز المخابرات العامة على أن يكون الاتفاق برعاية أمريكية لتصبح مصر مسئولة بالكامل عن القطاع. وأضاف: إن خطورة فصل قطاع غزة بشكل نهائى عن الضفة الغربية، يعتبر بمثابة تصفية للقضية الفلسطينية وتصبح مصر بذلك تحت رقابة وابتزاز إسرائيل والولايات المتحدة بشكل مباشر.

فى حين أكد مسعد أبوفجر، الأديب والناشط السيناوى، أن الحكومة المصرية تجرى مفاوضات معلنة مع شيوخ القبائل السيناوية لإقامة مخيمات للفلسطينيين فى سيناء، موضحاً أن لديه معلومات مؤكدة عن تقديم الحكومة إغراءات لشيوخ القبائل على سبيل استمالتهم أو اختراقهم لتنفيذ مخطط توطين الفلسطينيين فى سيناء.

وأضاف أبوفجر: إن شيوخ القبائل رفضوا إقامة مخيمات فى شرق سيناء لأنها تعتبر الامتداد الجغرافى لقطاع غزة، وبالتالى فإن توطين الفلسطينيين فى المنطقة الشرقية يعنى تنفيذ مخطط «غزة الكبرى» الذى ترعاه إسرائيل لإجهاض القضية الفلسطينية، مضيفاً أن شيوخ القبائل سمحوا بإقامة مخيمات للفلسطينيين فى وسط وغرب سيناء لسهولة عودتهم إلى أرضهم بعد انتهاء القصف الإسرائيلى.

وقال الناشط السيناوى إن مخطط إقامة وطن بديل لسكان قطاع غزة فى شرق سيناء لن يقوى القبائل السيناوية على صده وحدها، لا سيما أن معظم القبائل السيناوية أنهكها القهر والاستبداد على مدار الـ30 عاما الماضية، إلى جانب أن القضية لا تتعلق بالسيناوية وحدهم وإنما هى قضية وطنية تخص الشعبين المصرى والفلسطينى.

ومن جانبه أوضح خالد سعد، المدير التنفيذى لديوان سيناء للخدمات الإعلامية، أن القيادات التنفيذية والأمنية نفت إقامة مخيمات فلسطينية فى سيناء، مؤكداً أن المفاوضات التى جرت مع شيوخ القبائل السيناوية لم تعد كونها جس نبض.

وتوقع سعد أن الهدنة التى نجحت مصر فى تقريرها على الأرض بين القوات الإسرائيلية والفصائل الفلسطينية من شأنها أن تجهض مخطط توطين الفلسطينيين فى سيناء أو تؤجله- على أسوأ التقديرات- لا سيما أن استمرار الاجتياح الإسرائيلى البرى لقطاع غزة، حتما كان سيؤدى لنزوح ما يقرب من مليون فلسطينى فى قطاع غزة مثلما حدث ذلك أثناء الاجتياح العسكرى للقطاع فى مطلع 2009 ومنتصف 2010.

وأضاف خالد سعد أن المخاوف من توطين الفلسطينيين فى سيناء تكمن فى كونه مخططاً قابلاً للتنفيذ فى ظل الحكم الإسلامى.ومن جانبه أشار حسن عبدالله النخلاوى، الناشط السيناوى، إلى أن توافد الفلسطينيين عبر معبر رفح البرى يظل فى مستواه الطبيعى أو أكثر نسبياً، مؤكداً أن سيناء، خاصة المناطق الحدودية فى رفح والشيخ زويد والعريش تعيش حالة مفزعة من الفراغ الأمنى، وأن ما سمى بالعملية نسر1 ونسر2 ما هى إلا أكذوبة كبيرة روج لها النظام الحالى، لأنه ليس هناك عملية عسكرية حقيقية فى سيناء تستهدف إبادة بؤر الإرهاب، ولكنها بعض المطاردات فى بعض المناطق الجبلية بسيناء عديمة الجدوى، كما أن منطقة جبل الحلال تمت صناعة ضجة إعلامية على اعتبار أنها مكمن للجماعات الإرهابية المسلحة ورغم ذلك تخلو من أى عناصر أمنية أو تواجد بشرى وكأن النظام يصنع من جبل الحلال عدوا مزيفا، كما صنعت الولايات المتحدة من «تورابورا» عدوا.

واعتبر عبدالله أن الامتداد الطبيعى للفلسطينيين هو الأراضى المحتلة وليس سيناء وأن أهل مصر يرحبون بوجود الفلسطينيين على أرض سيناء كأشقاء ولكنهم لن يقبلوا نزوحهم وتوطينهم فى سيناء كحل للقضية الفلسطينية، كاشفاً عن امكانية تملك الفلسطينيين أراضى فى سيناء ولكن بأسماء مصرية لأن قانون ملكية الأراضى الذى قدمته الحكومة لا يسمح بتمليك الأراضى لغير المصريين بل استخدامها كحق انتفاع فحسب.

وقال الدكتور عماد جاد، رئيس تحرير مطبوعة مختارات إسرائيلية التابعة لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن المخططات الإسرائيلية التى ترمى إلى ترحيل سكان قطاع غزة إلى سيناء قديمة وليست جديدة، وجميعها فشلت فى تحقيق أهدافها من قبل، ولكن الخطر الأكبر فيما تسعى إليه إسرائيل فى إحالة المسئولية الأمنية والسياسية والاقتصادية لقطاع غزة إلى مصر وهى المسئولة التى تحملتها مصر فى الفترة من عام 1948 وحتى عام 1967.

وأكد الدكتور جاد أن مصر لن تستطيع فى هذه الفترة المليئة بالأعباء الداخلية أن تتحمل مسئولية قطاع به 1.6 مليون نسمة وخال من الزراعة والصناعة ومليء بالمخيمات والمليشيات المسلحة، فهذه مسئولية الدولة المحتلة والمجتمع الدولى وليست مسئولية مصر، وعلى الجانب الإسلامى قال أسامة سليمان، عضو لجنة الدفاع والأمن القومى بمجلس الشعب المنحل وأمين حزب الحرية والعدالة بالبحيرة، إن ما يتردد عن قيام الحكومة المصرية بإقامة مخيمات لتوطين الفلسطينيين بقطاع غزة فى سيناء هى شائعات عارية من الصحة، خاصة فى ظل كون منطقة شمال سيناء غير مؤهلة للتنمية والإعمار.

وأكد عضو لجنة الدفاع والأمن القومى بمجلس الشعب السابق أن استعادة الأمن بسيناء تتطلب إعادة النظر فى اتفاقية كامب ديفيد خاصة فى المناطق منزوعة السلاح بما يحقق سيطرة القوات المسلحة عليها بالكامل.

وتابع سليمان: إن منطقة شمال سيناء غير مؤهلة نتيجة عدم قدرة الأمن وقوات الجيش على السيطرة على التنظيمات الجهادية، مشيراً إلى أن النظام الحالى يرغب فى إحكام السيطرة الأمنية على سيناء بالكامل بهدف تحقيق تنمية حقيقية بها. وبين سليمان أن تلك التصريحات الإعلامية الهدف الحقيقى منها هو إحداث بلبلة بالشارع المصرى وإجهاض المحاولات الرامية لاستعادة الأمن بسيناء وتحقيق تنمية حقيقية بها بعد عقود الإهمال والاستبداد والقهر، مشيراً إلى أن ما يحدث حالياً على الساحة السياسية المصرية من اضطرابات يرجع فى الأساس إلى الصراع بين قيادات النظام البائد والنظام الجديد لإجهاض مشروع النهضة التنموى.

ولفت سليمان إلى أن توطين سكان قطاع غزة فى سيناء لم ولن يحدث لأن الهدف الحقيقى من تلك الشائعات هو إحراج القيادات السياسية المصرية ووضعها فى مأزق حقيقى مع الفصائل والقوى الفلسطينية.

ومن جانبه، قال الدكتور سعيد قدرى، رئيس وحدة الدراسات العسكرية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن قيام الحكومة المصرية بتجهيز مخيمات لاستقبال أهالى غزة هو إعادة لافتعال الأزمات مرة أخرى التى كانت تظهر فى ظل النظام السابق بهدف زعزعة الأمن بسيناء وإحداث بلبلة ولغط بالشارع المصرى.

وأشار قدرى إلى أن ما تقوم به الحكومة المصرية حالياً هو السعىلإنشاء منطقة تجارة بسيناء لخدمة قطاع غزة بهدف توفير السلع والخدمات الأساسية والضرورية وليس لاستقبالهم كما يشاع.

وأوضح قدرى أنه إذا حدث وقبلت القيادات السياسية المصرية توطين أهالى غزة بسيناء فإن ذلك سيشكل خطراً على الأمن القومى والداخلى ليس فقط فى سيناء ولكن على كل الأراضى المصرية.

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة