سيـــاســة

تأجيل استفتاء جنوب السودان.‮. ‬تمهيد للحرب أم تجاوز للخلافات السابقة؟


محمـد ماهـر
 
في أول بادرة تجاوب مع المقترح المصري بتأجيل استفتاء تقرير المصير بجنوب السودان، أعلنت قيادات من الحركة الشعبية لتحرير السودان _ الفصيل الجنوبي الشريك في الحكم _ مؤخراً عن وجود اتجاه قوي داخل الحركة للاستجابة للمطالب المصرية والمدعومة امريكيا وبريطانياً، بتأجيل الاستفتاء علي تقرير مصير الجنوب السوداني الي يوليو المقبل بعد أن كان مقرراً له التاسع من يناير المقبل.

 
ويهدف التأجيل الي تجاوز القضايا الخلافية قبيل اجراء الاستفتاء وللتمكن من اجراء استفتاء ناعم لا يؤثر سلباً علي استقرار الاوضاع بالسودان.
 
غير ان بعض المراقبين حذروا من ان الاستجابة للمطالب الاقليمية والدولية بتأجيل الاستفتاء للاستعداد له بشكل كاف، قد تمهد لاندلاع اعمال عنف جديدة ربما تهدد الاستقرار في المنطقة،لاسيما ان التأجيل يتناقض مع اتفاقية »مشاكوس للسلام« التي انهت الحرب الاهلية بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، حيث نصت علي اجراء الاستفتاء في 9 يناير 2011.
 
وعلي الجانب الاخر حذر اخرون من ان نجاح المساعي المصرية الرامية الي تأجيل الاستفتاء لا يعني حل الاشكاليات العالقة مثل ترسيم الحدود وطريقة توزيع عائدات البترول، و هي من القضايا المتفجرة التي يمكن ان تعوق اجراء الاستفتاء ولذلك يجب _ وفقاً للمراقبين _ اتباع خطوات عملية تهدف الي تجاوز المسائل الخلافية قبيل انتهاء مهلة التأجيل والا أصبح خيار الحرب بديلاً حتمياً.
 
أكد نصر الدين قشيب، مدير مكتب الحركة الشعبية لتحرير السودان بالقاهرة لـ»المال« أن الحركة مازالت تدرس المقترحات المصرية والامريكية بهدف تأجيل استفتاء الجنوب وأن ما اشيع علي لسان بعض القيادات باتجاه الحركة للموافقة علي التأجيل يمثل فقط موقفهم الشخصي، مشيراً الي أن هناك تخوفا حقيقيا من الاستجابة لمطالب التأجيل وبعد ذلك لا يتحقق شيء في الواقع وتبقي المسائل محل الخلاف كما هي.
 
ولفت »قشيب« الي أن المحور الرئيسي للاستجابة للتأجيل يتمثل في مدي توافر ضمانات حقيقية لحل جميع الاشكاليات قبيل الاستفتاء _ في حال تأجيله _ خاصة ملف الحدود الذي يمثل صداعاً مزمناً بين شريكي الحكم وأحد أهم القضايا الخلافية والتي من المفترض أن يتم التوصل الي اتفاق حولها قبل الاستفتاء _ كما نصت اتفاقية السلام -، مؤكداً ان هاجس أن تكون الاستجابة للتأجيل لخدمة اغراض المماطلة فقط هو أحد أهم الاسباب التي تجعل الحركة مترددة في الموافقة علي التأجيل، داعيا الحكومة المصرية الي طرح حلول عملية لتجاوز المسائل الخلافية، وذلك حتي يمكن اجراء استفتاء ناعم دون اندلاع اعمال عنف.
 
وعلق مجدي صبحي، نائب رئيس مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، علي احتمالات تأجيل الاستفتاء والتي باتت الاقرب الان، بأنها لن تؤثر علي الموقف النهائي والذي سوف يتشكل بعد الاستفتاء حيث سيتم انفصال الجنوب سواء كان الاستفتاء في موعده أو بعد عام، واشار الي ان تحول موقف الجنوبيين والمرونة النسبية التي ابدوها في الاستجابة لمطالب تأجيل الاستفتاء لا يعكس تغييرا في موقفهم الاستراتيجي بقدر ما تعكس رغبتهم في الحصول علي ما يريدون مثل منطقة »ايبي« الواقعة علي الحدود بين الشمال والجنوب والتي تعتبر منجما للذهب الاسود وتعد اكبر المناطق بالسودان انتاجاً للبترول وهو ما يجعلها مطمعا للشماليين والجنوبيين معاً وكل من الطرفين يراهن علي حشد دعم دولي لموقفه في المطالبة بـ»ايبي« وهذا الحشد لن يتحقق الا بالمرونة مع الاطراف الاقليمية والدولية الفاعلة في الشأن السوداني ولذلك لجأ الجنوبيون الي المرونة مع المطالب المصرية والامريكية بتأجيل الاستفتاء.
 
واضاف »صبحي« ان التأجيل قد يساعد مؤقتاً علي تهدئة الامور المحتقنة واشاعة اجواء من الاستقرار قد يؤثر علي منحي الاستفتاء فيما بعد، لافتاً الي انه اذا ما اجيد استثمار هذا المناخ فانه يمكن تبديد شبح الحرب الاهلية للابد.
 
من جانبه لفت اللواء سيد عزب، عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب، الي أن استجابة الجنوبيين ومرونتهم مع مطالب تأجيل الاستفتاء يمثل تتويجاً للجهود المصرية الرامية الي ضمان استقرار الاوضاع في السودان ومنع اندلاع اعمال عنف قد تهدد المنطقة كلها بالدخول في دائرة عنف جهنمية يمكن ان تمتد الي ما لا يحمد عقباه، واضاف ان الزيارات المكوكية للوزيرين احمد ابو الغيط وعمر سليمان خلال الفترة الاخيرة بين الخرطوم وجوبا هي التي مهدت الآن لتأجيل الاستفتاء، خاصة مع وجود العديد من المشاكل اللوجيستية التي تعوق اجراء الاستفتاء في موعده.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة