عقـــارات

مهما طال.. فهو قصير؟!


فى زمان نحتاج فيه إلى ما هو أكثر من الحذر واليقظة لخطورة أيامنا الحالية، والأخرى التى مازالت فى «رحم الغيب » ، وإن كانت قادمة بالكثير من المجهول الذى يثير لدينا جميعاً الكثير من المخاوف الوطنية على مصر التى - رغم تاريخ القيمة - تتأرجح - بكل ما يحيط بها الآن من مكائد - بين أن تبقى فى دائرة «الخلود » ، أو - لا قدر الله ولا كان - أن يخلو من وجودها الزمان المقبل، وعلى كل الذين سمحت لهم ضمائرهم الميتة أن يتوقفوا عن إدخال مصر «سوق النخاسة » السياسية، خاصة أن بينهم مصريين ارتضوا بأن يكون الدولار أو الريال والدينار هو بديلهم عن الوطنية، دون فهم بأن القيمة هى «عطاء إلهى » لا يحصل عليه أحد بغير الجهد، وتعاقب الأجيال التى تضع علاماتها على وجه الحضارة باعتراف الآخرين مهما تباعدت مواقعهم الجغرافية، حيث نجحت تلك الجهود فى صنع خليط عبقرى من الجغرافيا والتاريخ غير قابل للإنكار أو النكران، وهو ما صنعته مصر .. ومازالت تصنعه !

إن المدرسة المستجدة الآن على «شوارع المحروسة » بشعار «ودنك منين يا جحا » ، ومعه شعار «ودن من طين وودن من عجين » ليست أكثر من دعوة للتخريب فى مناخ من «الاستهبال السياسى » أتى به أولئك الخارجون لنا من تحت الأرض فيما يشبه «عفاريت الاسفلت » الذين يبحثون عن الأذن فى الجانب الخطأ بجهد غير مطلوب، رغم علمهم المسبق بوجود أذنين، وذراعين تطال كل منهما الأذن التى تريد مباشرة ودون «لف أو دوران » الذى هو منهج عمل لا يبشرنا بخير أبداً، ذلك أنه منهج يهدف لأن يتوه كل الناس بحيث لا يدرى أى منهم ماذا يُدبر له ضمن مجهول نخشاه جميعاً فى غياب ثقة بيننا وبين ما هو قادم من صناع القادمين من تحت الأرض !

ويتصور الكثير من الفيالق السياسية الجديدة على الحياة المصرية - بجوعها الشديد إلى السلطة، أن مصر الحالية لا تزيد على كونها «قصعة فتّة » ، وأن أوان «الغرف » قد حان بصرف النظر عن ملايين الجوعى المحيطين بـ «القصعة » الذين يدركون حرمة الأكل منها باعتبارها الوطن الذى يعيشون على أرضه مهما كانت قسوة تلك الحياة، انتظاراً ليوم تعود فيه مصر إليهم باعتبارهم «الملاك الحقيقيين » لهذا الوطن الذين يدفعون حياتهم ثمناً لحمايته بكل الرضا، بينما يخطط بعض الأبناء الجاحدين لخطفه، دون إدراك بأنهم لن يفلحوا رغم أنهم ما زالوا يحاولون !

والغريب هو أنه رغم علم تلك الفصائل بأنه لا يقوم بناء دون قواعد، فإنهم يصرون على إعادة إقامة البناء المصرى الجديد - بغير توكيل منا - بغير قواعد أو أساس الذى هو الدستور «الذى يحدد الطريق أمام كل الخطى، ضمن مفهوم خطأ ومتعجل بأنهم وحدهم يعرفون الأصول، ويعرفون معها معالم الطريق الذى يختلف جذرياً عن الطريق الذى نعرف ونريد، حيث إننا جميعاً نتخوف من أن يكون كل ما يجرى من حولنا ليس أكثر من «قطع للطريق » ، وما يترتب على ذلك من تداعيات !

إن أكل الأوطان ليس سهلاً، ولا حلالاً، ذلك أن الوطن أكبر كثيراً من «أكل المال الحرام » الذى هو - لحكمة يعلمها الله - مثل ماء البحر المالح، كلما شرب منه الشاربون أحسوا بالعطش أكثر، ذلك أنهم به لا يرتوون، وهو ما يطرح علينا - نحن المتابعين الملتزمين بالحلال وحده - سؤالاً قديماً لم يتلق عنه إجابة أبداً وهو ماذا سوف يفعل كل هؤلاء بالملايين أو المليارات الحرام التى يكنزونها، رغم علمهم - ومَن قبلهم ومَن سوف يأتى بعدهم - بأن العمر مهما طال   فهو قصير !
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة