اقتصاد وأسواق

تگاليف‮ »‬اليورو‮« ‬تثير استياء الألمان


إعداد ـ محمد الحسيني
 
بدأت أزمة الديون الأوروبية التي تخيم علي الاقتصادات الهامشية في منطقة اليورو تلقي بظلالها علي مجموعة أخري من الدول الأعضاء في الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي وعلي رأسها ألمانيا مع انخفاض الجدارة الائتمانية لهذه الدول في الفترة الأخيرة تأثراً بهذه الأزمة.

 
 
 أنجيلا ميركل
وارتفعت قيمة عقود التأمين ضد التعثر في سداد الديون الخاصة بألمانيا وفرنسا وهولندا مؤخراً في إشارة خطيرة إلي التهديد الذي يواجهه الاقتصاد الألماني ــ أكبر اقتصاد في أوروبا ــ جراء مساهمة الحكومة الألمانية في خطط الإنقاذ المخصصة لمساعدة الدول الأوروبية المتضررة بشدة من أزمة الديون السيادية التي تشهدها المنطقة.
 
وذكرت صحيفة »الديلي تليجراف« البريطانية نقلاً عن »ويهليم هانكل« الأستاذ بجامعة فرانكفورت قوله إن ألمانيا لا يمكن أن تستمر في المساهمة في خطط إنقاذ الاقتصادات الأوروبية المتعثرة دون أن تتأثر بدورها وهو ما قد يدفعها للوقوع في أزمات مشابهة.
 
وفي غضون ذلك أعرب كثير من الألمان عن تخوفهم من وضع أموالهم في صورة ودائع في البنوك الألمانية وسط مخاوف من تكرار الأزمة التي تعرضوا لها بين عامي 1923و1948 عندما فقدوا مدخراتهم.
 
وكان وزير المالية الألماني » فولفجانج شويبله« قد أصدر تصريحا مهماً في هذا الصدد قال فيه »نحن لا نسبح في بحر من النقود بل نغرق في الديون«، مشيراً إلي وجود حالة من الامتعاض بين المسئولين الألمان إزاء المساهمات المتكررة في صندوق الأزمات الأوروبي.

 
وفي واقع الأمر لا يبدو الدين العام والخاص في ألمانيا قد وصل إلي مستويات خطيرة بعد، لكنه يدعو للقلق في ظل مشكلة الشيخوية وزيادة نسبة المسنين في المجتمع الألماني وهو ما يضع ألمانيا ضمن الدول الأكثر استدانة في العالم، حيث تتكلف الموازنة العامة الألمانية أموالاً ضخمة للإنفاق علي الرعاية الصحية والمعاشات المقدمة للمواطنين في هذه الفئة العمرية.

 
وأثارت التقارير الأخيرة حول الاقتراحات المقدمة بشأن مضاعفة حجم صندوق الأزمات الأوروبي المخصص له 440 مليار يورو غضب المواطنين الألمان واستياءهم الشديد لشعورهم بالتدخل لعلاج أزمات لم يكونوا السبب وراءها يأتي هذا في وقت تتزايد فيه التكهنات حول انتقال الأزمة إلي دول أخري غير أيرلندا مثل البرتغال وإسبانيا وهو ما سيدعو هذه الدول إلي اللجوء إلي صندوق الأزمات »الذي يساهم فيه الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية« للحصول علي مساعدات مالية لمواجهة تلك الأزمات.

 
وتتعرض إسبانيا في الوقت الراهن لضغوط عنيفة مع تراجع ثقة المستثمرين في السندات الإسبانية وارتفاع العائد علي هذه السندات إلي مستويات قياسية لم تشهدها منذ فترة طويلة من جانبه ألمح »اكسيل ويبر« رئيس البنك المركزي الألماني إلي أمكانية تقدم كل من البرتغال واسبانيا بطلب للحصول علي حزمة إنقاذ مالية في الفترة المقبلة، متوقعاً فيام الحكومات الأوروبية بضخ مزيد من السيولة في صندوق الأزمات الأوروبي علي أن يبلغ حجم السيولة الجديدة 750 مليار يورو أو أكثر إذا اقتضت الضرورة ذلك.

 
وتبقي مسألة إقدام الحكومات الأوروبية علي زيادة مساهماتها في عملية تمويل صندوق الأزمات الأوروبي، محل شك كبير في ظل الظروف الراهنة ويري كثير من الخبراء أن المستشارة الألمانية »أنجيلا ميركل« ستخاطر بشعبيتها في حال قيام ألمانيا بتقديم مزيد من المساعدات المالية للدول الأوروبية المتضررة من الأزمة وبخاصة مع اتخاذ ألمانيا عدداً من الإجراءات لتقليل الإنفاق علي الرفاهية الاجتماعية في الداخل، علاوة علي الضرر الذي ستلحقه هذه الخطوة بالحزب الحاكم في الانتخابات المقبلة.

 
وفي محاولة لتلطيف الأجواء في أسواق المال ، قال »ويبر« إنه حتي في حالة حدوث السيناريو الأسوأ الذي يتضمن انتقال الأزمة إلي البرتغال وإسبانيا فإن إجمالي التكلفة المطلوبة لإنقاذ الدول الثلاث لن يتجاوز 140 مليار يورو، في حين استبعد معظم الخبراء أن تؤتي تصريحات ويبر ثمارها مع ظهور مخاوف جديدة تحذر من انتقال الأزمة إلي إيطاليا التي لا تعد في وضع أفضل من جيرانها في منطقة اليورو.

 
وفي هذا السياق قال »ستيفانو دي دوميزيو« الخبير الاقتصادي بمؤسسة »لومبار ستريت ريسيرش«، إن إيطاليا تواجه صعوبات اقتصادية بالغة وبخاصة مع ارتفاع فروق العائد علي السندات الإيطالية إلي أعلي مستوي لها منذ إنشاء الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي.

 
من ناحيته قال »جين كلود جونكر« رئيس مجموعة اليورو إن المشكلة تكمن في تحديد النقطة الفاصلة التي تعترف ألمانيا عند الوصول إليها بعدم، قدرتها علي تحمل مزيد من العبء الناتج عن المساهمة في خطط إنقاذ الدول الأوروبية المتضررة.

 
وأعرب جونكر عن قلقه إزاء تخلي السلطات الألمانية تدريجياً عن التمسك بالمصلحة العامة للدول الأعضاء في منطقة اليورو.

 
وكان الألمان قد رحبوا بإنشاء منطقة اليورو وتبني اليورو كعملة موحدة لدول المنطقة في ظل وعود تلقوها آنذاك، أن أداء العملة الجديدة سيكون جيداً ومستقراً مثلها مثل العملة الألمانية السابقة بجانب وجود بنود في المعاهدات التي وقعتها ألمانيا تنص علي عدم تدخل الدول الغنية لإنقاذ الدول الفقيرة في المنطقة في حالة تخطي عجز الموازنة والدين العام في هذه الدول الحدود المسموح بها.

 
لكن هذه الوعود تلاشت إلي حد بعيد وهو ما زاد من احتمال إصدار المحكمة الدستورية الألمانية أحكاماً بعدم دستورية مساهمة الحكومة الألمانية في خطط إنقاذ الدول التي تواجه أزمة ديون سيادية في منطقة اليورو مثل اليونان وأيرلندا.

 
وربما كان هذا التخوف من الحكم بعد دستورية التدخل الألماني لمساعدة الاقتصادات المتعثرة، الدافع وراء تأخر الحكومة الألمانية في الموافقة علي قرار المساهمة في حزمة الإنقاذ المالي المقدمة لليونان بشكل أثر علي سير الأزمة، في الوقت الذي تركزت فيه الردود الرسمية علي سبب التأخير حول الالتزام بقواعد المعاهدات الأوروبية المنظمة لمثل هذه المساهمات.

 
وعاني الألمان طويلاً خلال العقد الأخير من تدني مستوي الأجور وتراجع الإنفاق علي الخدمات العامة... الأمر الذي أثار حفيظتهم إزاء ما يرونه استغلالاً لأموال الموازنة الألمانية، الممولة أساساً من دافعي الضرائب، في إنقاذ اقتصادات أوروبية أخري تتعرض لأزمات حادة مثل اليونان وأيرلندا.

 
ومن جهة أخري يؤكد البعض أن ألمانيا متمسكة بالتزاماتها حيال الاتحاد الأوروبي وهو ما يتكرر ذكره عند الحديث عن السياسة الخارجية الألمانية خلال الخمسين عاماً الماضية .
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة