اقتصاد وأسواق

تعزيز رصيد الذهب سلاح الصين في حرب العملات ضد أمريكا


إعداد ـ خالد بدر الدين
 
قفزت واردات الصين من الذهب، خلال الشهور العشرة الأولي من هذا العام، بحوالي 5 أمثال إجمالي وارداتها من الذهب خلال العام الماضي، لتصل إلي 209 أطنان، مقارنة بحوالي 45 طناً عام 2009، بسبب تزايد المخاوف من ارتفاع التضخم.

 
وذكرت وكالة بلومبرج، أن الصين، أكبر منتجة للذهب في العالم، وثاني أكبر مستهلك للمعدن النفيس، لا تنشر عادة بيانات عن التعاملات في الذهب، بصفة منتظمة ونادراًَ ما تعلق علي احتياطيها من الذهب.
 
ويقول شين زيا نجرونج، رئيس بورصة شنغهاي، إن سعر الذهب قفز %27 هذا العام، حتي بداية الشهر الحالي، مع انخفاض قيمة الدولار، بسبب ضخ الحكومات الأمريكية والأوروبية تريليونات الدولارات في الاقتصاد العالمي، مما أدي إلي انهيار قيمة العديد من العملات العالمية وارتفاع قيمة الذهب كملاذ أكثر أمناً.
 
والارتفاع الأخير في سعر الذهب، الذي بلغ أكثر من 1400 دولار للأوقية، بداية نوفمبر الماضي، يؤكد أن هذا الارتفاع مجرد تمهيد لانتعاش أسعاره، أكثر وأكثر خلال السنوات المقبلة، لدرجة أنه من المتوقع أن يصل إلي 2000 دولار علي الأقل للأوقية بحلول عام 2015.
 
وهناك العديد من العوامل، التي أدت إلي ارتفاع أسعار الذهب مؤخراً، ومعظمها عوامل اقتصادية تركز علي السياسة النقدية ومخاطر التضخم، حيث تتجه بعض البلاد الصناعية، إلي خفض قيمة عملاتها وتستخدم سياسة نقدية لتحقيق هذا الهدف، من خلال سياسة التوسع الكمي، الذي يهدف إلي رفع قيمة صادراتها.

 
ورغم أن الصين تعهدت باستخدام أدوات رقابية علي الأسعار، ورفع أسعار الفائدة، للمرة الثانية هذا العام، لإبطاء معدل التضخم، الذي ارتفع إلي أعلي مستوي له منذ عام 2008، إلا أن المسئولين في الحكومات الأمريكية والأوروبية، ينتقدون السياسة الصينية التي تسببت في عرقلة دينماميكية الأسواق المالية، نتيجة انخفاض العملة الصينية عن عمد، مما أدي إلي تصاعد التهديدات بحروب عملات بين الدول الكبري، لدرجة أن العديد من الحكومات، تدخلت إما لشراء عملات أجنبية مثل اليابان وإما لفرض ضرائب علي التدفقات المالية الأجنبية، مثل البرازيل، التي فرضت نسبة %15 علي امتلاك المستثمرين الأجانب سندات برازيلية.

 
وارتفع الطلب علي الذهب، في الصين خلال النصف الأول من هذا العام، عندما نفذت حكومة بكين تدابير لتهدئة نشاط سوق العقارات، من خلال شراء سبائك الذهب للوقاية من التضخم، بعد أن استخدمت الحكومة سياسة نقدية متشددة جعلت المستثمرين يبتعدون عن الأسهم والعقارات، ويتجهون إلي الذهب.

 
واشتري المستثمرون خلال الربع الثاني من هذا العام، أكثر من 274 طناً من الذهب، عن طريق صناديق المؤشرات التي تجاوزت ممتلكاتها 2000 طن، لدرجة أنه من المتوقع أن تحتل هذه الصناديق المركز الثالث، من حيث حجم الذهب، الذي تمتلكه بعد صندوق النقد الدولي، وبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بحلول عام 2012.

 
وتعد الصين من أهم العوامل الجديدة في سوق الذهب، بفضل الاحتياطي الضخم من العملات الأجنبية، التي تمتلكها التي تقدر حالياً بأكثر من 2.4 تريليون دولار، لأن %1.7 فقط من هذا المبلغ، هي التي تستثمره في الذهب.

 
ويتوقع صندوق النقد الدولي، أن تحظي الصين بفائض حساب جار، بحوالي 2.6 تريليون دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، مما يجعل احتياطيها الأجنبي يقفز إلي أكثر من 5 تريليونات دولار، وهذا يعني أن يمكنها شراء حوالي 1000 إلي 1500 طن من الذهب، وبالتالي تصبح أكثر قدرة علي مواجهة انخفاض قيمة الدولار، وتزداد قوة اليوان كعملة عالمية.

 
والغريب أن الحكومة الأمريكية عام 1913، قبل ظهور الدولار كعملة عالمية، كانت تمتلك 2293 طناً من الذهب، مقارنة مع 248 طناً لبريطانيا، و439 طناً لألمانيا و1030 طناً لفرنسا و1233 طناً لروسيا، بينما تسعي بكين حالياً لشراء 10 آلاف طن من الذهب.

 
وكانت حكومة الصين، قد قامت بتحرير سوق الذهب من القواعد، منذ عام 2008، مما أدي إلي زيادة طلب القطاع الخاص بسرعة كبيرة، الذي اشتري وحده 143 طناً هذا العام، مقارنة بحوالي 73 طناً في عام 2009، و17 طناً فقط عام 2008.

 
وإذا كانت الحكومة الأمريكية، تنتقد سياسة بكين لربطها اليوان بالدولار، إلا أنها قد تتوقف عن هذا الانتقاد إذا توقفت بكين عن التدخل في عملتها، وتركت التضخم يسير بالسرعة العالمية، حتي ترتفع قيمة اليوان، وتصبح المنتجات الصينية أقل تنافسية في الأسواق العالمية.

 
ولا يستطيع أحد أن يتوقع متي تشتري الصين ذهباً في المستقبل، أو يحدد الكميات التي ستشتريها، غير أنه من المؤكد أن طلبها علي الذهب سيزداد خلال الخمس وعشرين سنة المقبلة، وستحقق مكاسب سعرية كبيرة بغض النظر عن أي سياسة يتبعها بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، كما يؤكد مجلس الذهب العالمي WGC .

 
ويؤكد أيضاً البيرت شينج، مدير عام مجلس الذهب العالمي WGC ، أن سوق الذهب الصينية، سيتضاعف حجمها خلال العقد المقبل، مع تزايد الطلب علي شراء المجوهرات وعلي الاستثمار في الذهب، حيث سيرتفع استهلاك الشعب الصيني إلي 800 و900 طن من الذهب خلال السنوات العشر المقبلة، بالمقارنة مع 428 طناً في العام الماضي.

 
وأعلن أيضاً البنك المركزي الصيني، أنه سيسمح لبقية البنوك الصينية، باستيراد وتصدير الذهب والسماح للشركات الأجنبية بالتعامل مع الذهب داخل الأسواق الصينية، بعد أن ارتفع انتاجها من الذهب هذا العام إلي 340 طناً، بالمقارنة مع 314 طناً في العام الماضي.

 
وتنوي حكومة الصين أيضاً زيادة ممتلكاتها من الذهب، لأن ما تملكه حالياً يبلغ 1054 طناً فقط، بالمقارنة مع 8133 طناً للولايات المتحدة الأمريكية، وإن كانت بكين استطاعت رفع احتياطيها من الذهب من 454 طناً عام 2003 إلي 1054 طناًً هذا العام.

 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة